الصفحة 102 من 148

إذا ثبت وجوب الإحرام من الميقات فإن الإحرام من أول الميقات وهو الطرف الأبعد من مكة -ليس بشرط، بل يستحب أن يحرم من أوله، لما فيه من المبادرة للطاعة، وحتى لا يَمُرَّ بشيء مما يسمى ميقاتًا غير محرم، ولو أحرمَ من الطرف الأقرب إلى مكة جاز، لحصول الاسم في أنه أحرم من الميقات، وبهذا قال الحنفية والشافعية، وأما المالكية فقالوا: يكره تأخير الإحرام لآخر الميقات، إلا ميقات ذي الحليفة، فالأفضل الإحرام من مسجدها أو فنائه لا من أوّله [1] .

2 -هل الأفضل للآفاقي الإحرام من المواقيت أم مما فوقها؟

دَلَّ مفهوم المخالفة لحديث ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما على أنه يجوز إنشاء الإحرام قبل الميقات، ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مَنَعَ تجاوز المواقيت من غير إحرام، ومفهوم هذا أن تقديم الإحرام قبل الإتيان إلى المواقيت جائز، وسيأتي قريبًا أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم استحب الإحرام من بيت المقدس.

قال النووي رحمه الله: «أجمع مَنْ يُعْتَدُّ به من السلف والخلف من الصحابة فَمَنْ بعدهم على أنه يجوز الإحرام من الميقات ومما فوقه» [2] .

لكن الفقهاء اختلفوا في استحباب تقديم الإحرام قبل إتيان الميقات، وسبب الاختلاف تعارض فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في إحرامه مِنَ الميقات (ذي الحليفة) [3] مع الأحاديث القولية التي ترغب في تقديم الإحرام، وأن أفضل الإحرام ما كان من بيت المقدس، أو من بلد الحاج أو المعتمر، وفيما يلي بيان قولي الاختلاف:

القول الأول: الأفضل إنشاء الإحرام من المواقيت:

وبهذا قال جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية في الأصح والحنابلة، بل صرح المالكية والحنابلة بأنه يُكره إنشاء الإحرام قبل الميقات، وقال الشافعية: لا يكره [4] .

القول الثاني: الأفضل تقديم الإحرام على المواقيت:

قال الحنفية: يستحب للآفاقي تقديم الإحرام على ميقاته المكاني إن ملك نفسه بالاحتراز عن المحظورات [5] .

واستدلوا بأدلة من أهمها:

ما رواه أبو داود وغيره _بسند ضعيف_ عن أُمِّ سلمةَ زوجِ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنها سَمِعَتْ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: (( مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ أو عُمْرَةِ مِنَ المسجدِ الأَقْصَى إلى المَسْجِدِ الحرامِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وما تَأَخّرَ ) )أو (( وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ ) )..

وقال النووي رحمه الله: «قال ابن المنذر: وثبت أن ابن عمر رضي الله عنهما أَهَلَّ من إيليا وهو بيت المقدس» [6] .

والظاهر للباحث ما قاله الحنفية؛ لحديث أبي داود والآثار التي ترغب في تقديم الإحرام على الميقات.

3 -حكم مَنْ تجاوز الميقات بغير إحرام، وهو قاصد للحج أو العمرة أو هما معا [7] :

تقدم عند بيان الحكم الأول أني ذكرت أنه يَحْرُمُ -إلا من عذر- على مريد النسك مجاوزة الميقات بدون إحرام لحديث ابن عباس رضي الله عنهما، والواجب عليه حينئذ أن يرجع إلى الميقات ويُحْرِمَ منه إن أمكنه ذلك [8] ، سواء تجاوزه عالمًا به أو جاهلًا، عَلِمَ تحريم ذلك أو جهله، فإن استمرَّ في طريقه فلم يرجع فعليه دم، وبهذا قال جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.

(1) انظر المسلك المتقسط ص29، 30، حاشية الدسوقي والشرح الكبير 2/ 24، المجموع 7/ 202.

(2) وتتمة كلامه: «وحكى العبدري وغيره عن داود أنه قال: لايجوز الإحرام مما فوق الميقات، وأنه لو أحرم مما قبله لم يصح إحرامه ويلزمه أن يرجع ويحرم مِنَ الميقات، وهذا الذي قاله مردود عليه بإجماع من قبله» . المجموع 7/ 205، وانظر الإجماع ص54، المغني 4/ 401.

(3) ثبت هذا في الأحاديث الكثيرة منها حديث جابر عند مسلم (1218) ، وقد أجمعوا أيضًا على أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحرم من الميقات. انظر المجموع 7/ 206.

(4) انظر الذخيرة 3/ 211، بداية المجتهد 1/ 237، جامع الأمهات ص188، المجموع 7/ 205 فما بعدها، المغني 4/ 401 فما بعدها.

(5) انظر بدائع الصنائع 2/ 164، المسلك المتقسط ص35.

(6) المجموع 7/ 208.

وحديث ابن عمر رواه الإمام مالك في الموطأ (رواية محمد بن الحسن الشيباني) ، كتاب الحج، باب المواقيت، ص133، رقم (383) .

(7) مصادر هذه المسألة: المبسوط 4/ 170، 171، بدائع الصنائع 2/ 165، المسلك المتقسط ص32، الخرشي على مختصر خليل 2/ 305، 306، الشرح الكبير للدردير 2/ 52، القوانين الفقهية ص88، الأم 5/ 151، العزيز 3/ 336، 337، المجموع ومعه المهذب 7/ 212 فما بعدها، المغني 4/ 403، 404، مواقيت الحج والعمرة المكانية ص43 فما بعدها.

(8) فلو خاف فوت الرفقة التي لا يجد غيرها، أو فوت الحج، فحينئذ يُحْرِمُ في مكانه وعليه دم، لأن محظورات الإحرام تستباح بالأعذار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت