الصفحة 105 من 148

ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا يجوز تجاوز الميقات إلى ميقات آخر يمر عليه، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما السابق، ومحل الشاهد فيه (( هُنَّ لهم، ولِكُلِّ آتٍ أَتَى عَليهِنّ من غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أرادَ الحجَّ والعُمْرَة ) ) [1] .

والظاهر للباحث ما قاله الحنفية للحديثين السابقين ولما رواه الشيخان رحمهما الله أيضًا عن أبي قتادة رضي الله عنه أنه قال: خَرَجْنَا مَعَ رسُولِ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى إذا كُنَّا بالقَاحَةِ [2] فَمِنَّا المُحْرِمُ ومِنَّا غيرُ المحرم، إذْ بَصُرْتُ بأصحابي يَتَرَاءَوْنَ شيئًا، فَنَظَرْتُ فإذا حِمَارُ وَحْشٍ، فَأَسْرَجْتُ فَرَسِي [3] وأَخَذْتُ رُمْحِي، ثُمَّ رَكِبتُ، فَسقَطَ مني سَوْطي، فَقُلْتُ لأَصْحَابي، وكانوا مَحْرِمينَ: نَاوِلُوني السَّوطَ، فَقَالُوا: واللهِ! لا نُعِينُكَ عَلَيهِ بشيءٍ، فَنَزَلْتُ فَتَنَاوَلْتُهُ، ثم رَكِبْتُ، فَأَدْرَكْتُ الحَمَارِ مِنْ خَلْفِهِ وهو وَرَاءَ أَكْمَةٍ [4] ، فَطَعَنْتُهُ بِرمْحِي فَعَقَرْتُهُ [5] ، فَأتيتُ به أَصْحَابي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوهُ، وقال بَعْضُهُمْ: لا تَاكُلُوه، وكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمَامَنَا، فحَرَّكْتُ فَرسِي فَأَدْرَكْتُهُ فقالَ: (( هو حَلالٌ، فَكُلُوه ) ).

إن خروج النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم مع صحابته الكرام رضوان الله عليهم كان في عام الحديبية، وقد خرجوا للعمرة، وتدل على هذا الألفاظ الأخرى لهذا الحديث.

وفي صحيح مسلم قال أبو قتادة رضي الله عنه قال رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (( خُذُوا ساحلَ البحرِ حتى تَلْقَوْني ) )قال: فَأَخَذُوا ساحلَ البحرِ، فَلمَّا انصرفُوا قَبْلَ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَحْرَموا كُلُّهُم إلا أبا قَتَادَة، فَإِنَّهُ لم يُحْرِمْ ...

هذا وما تقدم من الكلام يتحدث عمن يتجاوز الميقات وهو يريد النسك، فأما مَنْ أراد تجاوز الميقات وهو غير مريد للنسك، فبيانه في المسألة التالية.

5 -مجاوزة الميقات لمن لا يريد النُّسُك:

إن الآفاقي الذي لا يريد النسك إذا أراد مجاوزة الميقات فهو على إحدى حالتين [6] :

(1) الحديث تقدم ذكره في أول المطلب الأول، وانظر المجموع ومعه المهذب 7/ 203، المغني 4/ 400.

(2) القاَحَةُ: وادٍ على ثلاث مراحل من المدينة. انظر معجم البلدان 4/ 329، شرح مسلم للنووي 8/ 345.

والمرحلة: مسير يوم.

(3) أي شددت عليه سرجه.

(4) الأكمة: أي التل، وهو ما ارتفع من الأرض.

(5) أي فقتلته.

(6) انظر مصادر هذه المسألة في المبسوط 4/ 167، بدائع الصنائع 2/ 164 فما بعدها، المسلك المتقسط ص32، الخرشي على مختصر خليل 2/ 304، 305، جامع الأمهات ص188، الذخيرة 3/ 210، المجموع ومعه المهذب 7/ 14 فما بعدها، 209، العزيز 3/ 334، المغني 4/ 404 فما بعدها، الروض المربع ص174، مواقيت الحج والعمرة المكانية ص56 فما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت