القسم الثاني: مَنْ كان يريد دخول مكة أو الحرم لحاجة متكررة:
إنَّ الآفاقي الذي يتكرر دخولُه إلى مكة كصاحب البريد، والمترددين في (سياراتهم) لنقل الركاب والبضائع ونحو ذلك، فهؤلاء وأمثالهم اختلف الفقهاء في حكم إحرامهم على قولين:
القول الأول: جواز مجاوزة الميقات بدون إحرام:
وبهذا قال جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة، لحديث جابر رضي الله عنه السابق.
لكن المالكية هنا قيدوا جواز مجاوزة الميقات بدون إحرام بما إذا لم يبعد عن مكة مسافة تقصر الصلاة فيها، وأن لا يطول غيابه عن مكة إذا كان دون مسافة قصر الصلاة.
القول الثاني: وجوب الإحرام على الآفاقي لدخول مكة:
وبهذا قال الحنفية واستدلوا بما رواه الشيخان رحمهما الله عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (( إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قبلي، ولا تَحِلُّ لأَحَدٍ بعدي، وإنما أُحِلَّت لي سَاعَةً مِنْ نهارٍ ... ) ).
القسم الثالث: من تجاوز الميقات ولم يكن وقت تجاوزه مُكَلَّفًا بالحج:
إن غير المكلف بالحج كالصبي والكافر إذا تجاوزوا الميقات ثم وجب عليهم الحج كأن بلغ الصبي، وأسلم الكافر، ثم أرادوا الإحرام، فإنهم يحرمون من موضعهم، ولا دم عليهم باتفاق جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة، وقال الشافعية كقول الجمهور في الصبي إذا بلغ بعد الميقات.
وأما الكافر إذا أسلم بعد الميقات وأراد الحج، فقال الشافعية: إن رجع إلى الميقات فأحرم منه فلا دم عليه، وإن لم يَعُد بل أحرم وحج من موضعه لزمه الدم قياسًا على المسلم إذا جاوز الميقات بقصد النسك [1] .
والظاهر للباحث ما قاله الجمهور لما ذكروه، والله تعالى أعلم.
وبَعْدُ فما تقدم ذكره يتحدث عن الأحكام المتعلقة بالآفاقي إذا تجاوز الميقات، وفيما يلي بيان أحكام الصنف الثاني -الميقاتي- وهو من كان منزله بين المواقيت والحرم المحيط بمكة.
المطلب الرابع
الأحكام المتعلقة بالميقاتي
(1) انظر المجموع ومعه المهذب 7/ 45، 46، 47، 49، 215، 216.