المقيم أن يحج مفردًا فله أن يحرم من أي مكان - كما سبق - لكن الأفضل للمستوطن أن يحرم من مكة، ويندب أن يكون إحرامه من المسجد الحرام، وإن ترك الإحرام من مكة أو من المسجد جاز، وهو خلاف الأولى، ولا دم عليه، لأنه زاد وما نقص.
ويُستحب للآفاقي إن كان له سعة من الوقت -وعبروا عنه (بذي النفس) - أن يَخْرُجَ إلى ميقاته ليحرمَ منه، وإن لم يكن له سعةٌ من الوقت فهو كالمستوطن.
قالوا: وأما المقيم القارن فَيُشترط أن يجعلَ إحرامه من الحل كالإحرام بالعمرة، على ما سيأتي في المطلب التالي.
وعلَّلُوا ما ذهبوا إليه هنا بأنه لو أحرم بالقران من مكة لم يجمع في إحرامه بين الحل والحرم [1] .
والظاهر للباحث ما قاله الحنفية لحديث جابر رضي الله عنه والله تعالى أعلم.
وبَعْدُ فهذا بيان مواقيت حج المكي، وفيما يلي بيان مواقيت عمرته.
المطلب السادس
مواقيت أهل مكة أو الحرم إذا أرادوا العمرة
1 -روى الشيخان رحمهما الله عن عبد الرحمن بن أبي بكرٍ رضي الله عنهما أنه قال: إِنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ ويُعْمِرَها مِنَ التَّنْعِيمِ.
2 -روى الشيخان رحمهما الله عن أنس رضي الله عنه أنه قال: إن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم اعتمر أربعَ عُمَرٍ كُلُّهُنَّ في ذي القَعْدَةِ إلاَّ التي مع حَجَّته: عُمْرَةً مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، أو زَمَنَ الحديبيةِ في ذي القَعْدَةِ، وعُمْرَةً مِنَ العامِ المُقبلِ في ذي القعدة، وعُمْرَةً مِنْ جِعْرَانَةَ حيثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ في ذي القَعْدَةِ، وعُمْرَةً مع حَجَّتِهِ.
دَلَّ هذان الحديثان على أن ميقات العمرة لأهل مكة -ومثلهم سائر الحرم- هو من الحل، لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمر عبد الرحمن أن يعمرها من التَّنْعِيم وهو في طرف الحرم، واعتمر هو من الجِعْرَانة وهي من منطقة الحل، ولو جاز الإحرام من غير منطقة الحل لبينه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وبناءً على ذلك اتفق جمهور الفقهاء على أنه لا يجوز إنشاء الإحرام للعمرة إلا مِنَ
(1) انظر الخرشي 2/ 301، الشرح الكبير للدردير 2/ 22،23، الذخيرة 3/ 207، جامع الأمهات ص187، المغني 4/ 394، 397 فما بعدها، المبدع 3/ 103.