الصفحة 114 من 148

إذا حاذى أقرب المواقيت إليه.

والأصل في ذلك ما تقدم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند البخاري رحمه الله تعالى أنه قال: لَمَّا فُتِحَ هذانِ المِصْرانِ - يعني الكوفة والبصرة- أَتَوا عُمَرَ رضي الله عنه، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين: إنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وهو جَوْرٌ [1] عن طَريقنا، وإنا إن أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ علينا، قال فانظروا حَذْوَها من طَرِيقِكُمْ [2] ، فَحَدَّ لُهُمْ ذاتَ عِرْقٍ [3] .

يؤخذ من هذا الحديث عدة أمور:

الأول: إن تعيين المواقيت غير المنصوص عليها هو أمر اجتهادي، لأن سيدنا عمر لم يعلم حينئذ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد نَصَّ على ذات عِرق، فقد مر معنا ما رواه أبو داود وغيره بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم وَقَّتَ لأهل العِرَاق ذَاتَ عِرْقٍ ...

الثاني: إن المسلك الوحيد لتعيين المواقيت غير المنصوص عليها يكون عن طريق المحاذاة.

وعندما رجعت إلى كلام الفقهاء السابقين -حسب ما توفر لدي من مصادرهم- لاحظت أنهم لم يعرفوا المحاذاة تعريفًا دقيقًا كأي مصطلح فقهي آخر، وفيما يلي أعرف المحاذاة لغة واصطلاحًا سائلًا المولى التوفيق.

المحاذاة لغة: هي الموازاة، يقال رَفَعَ يديه حَذْوَ أذُنيهِ، وحَذَوتُ النعلَ بالنعلِ قَدَّرتها بها، وقطعتها على مِثَالِها وقَدْرِها [4] .

المحاذاة في مواقيت الحج والعمرة اصطلاحًا: هي أن يكون بُعْدُ الميقات المحاذي عن مكة يساوي بُعْدُ الميقات الأصلي عن مكة وهما في جهة واحدة.

وهذا التعريف مستفاد من كيفية تقدير سيدنا عمر رضي الله عنه للميقات المحاذي، حيث إنه قدر المسافة بين مكة وقرن المنازل، ثم اختار لهم ما يعادلها طولا فاختار لهم ذات عرق.

وما ذكرته من التعريف فهمه العمراني الشافعي رحمه الله تعالى ولعله ساق حديث عمر رضي الله عنه بالمعنى على نحو ما يتوافق مع التعريف السابق فقال رحمه الله: (( روي أنه قيل لعمر

(1) أي ميل.

(2) أي اعتبروا ما يقابل الميقات من الأرض التي تسلكونها من غير ميل فاجعلوه ميقاتًا. فتح الباري 3/ 455.

(3) تقدم تخريجه في أول المطلب الأول وهو في البخاري برقم (1531) .

(4) انظر المصباح المنير مادة حذو.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت