أقوال الفقهاء السابقين، حسب ما اطلعت عليه، ولا علاقة لميقات بميقات آخر في تعيين خط المحاذاة، لأن سيدنا عمر رضي الله عنه لما اجتهد في تعيين ذات عرق لم ينظر إلى ميقات ذي الحليفة، وإنما نظر إلى ميقات قرن المنازل نفسه، وقال: «انظروا حذوها من طريقكم» ولم يقل انظروا حذوهما.
ومما يدل على عدم انضباط هذا التوصيل أمران:
الأول: أن بداية المناطق المحصورة ضمن هذه الخطوط تقع دون المواقيت الشرعية، ولا تقع في محاذاتها، فأين معنى المحاذاة _المتفق عليه بين الفقهاء_ في هذا المخطط، ومن عيوب هذا المخطط أنه أخرج مدينة بدر من ضمن المواقيت المحاذية، مع العلم أن بعض أهل بدر يحرمون من دويرة أهلهم.
الثاني: لماذا لم يوصل بين ميقات الجحفة وميقات يلملم، كما تم الوصل بين سائر المواقيت؟! بل مُدَّ خط ميقات أبيار علي والجحفة إلى ما بعد جدة وهذا بخلاف القاعدة التي هم عليها بالتوصيل؟
وبعد فقد تقدم أن ذكرت أنه لا خلاف بين جمهور الفقهاء أنَّ مَنْ سَلَكَ طريقًا لا ميقات فيه من بَرٍّ أو بَحْرٍ فميقاته إذا حاذى أقرب المواقيت إليه.
وبقي في هذا المحل أن أبين ثلاث مسائل حول قضية المحاذاة:
المسألة الأولى: تفرقة المالكية للجائين في البحر الأحمر بين شماله وجنوبه:
إن المعتمد أو المفتى به عند المالكية أنهم فرقوا بين الجائين في البحر الأحمر (ويسمى بحر القلزم) : فمن أتى من شماله، فيجب عليه أن يحرم إذا حاذى الجحفة، ومن أتى من جنوبه (ويسمى بحر عيذاب) فلا يجب الإحرام منه إذا حاذى يلملم أو الجحفة [1] ، لما فيه من الخوف والخطر من أن ترده الريح، ويسقط عنه الدم في هذه الحال، بل يؤخر الإحرام حتى يصل جدة،
(1) تنبيه: المحاذاة بالنسبة ليلملم ذكرها الدسوقي في حاشيته 2/ 23، وأمامواهب الجليل 3/ 35، وكذا حاشية العدوي على الخرشي 2/ 303، والذخيرة 3/ 207. فذكروا المحاذاة هنا بالنسبة للجحفة، ومنطقة المحاذاة هذه أكبر من منطقة يلملم، وسيأتي المزيد من بيان ذلك عد الحديث عن ميقات جُدة.