قال النووي رحمه الله: «ومَنْ سَلَكَ البحر أو طريقًا ليس فيه شيء من المواقيت الخمسة أَحْرَمَ إذا حاذى أقرب المواقيت إليهِ، فإن لم يحاذ شيئًا أحرم على مرحلتين من مكَّة» [1] .
وتعبيرهم بعدم المحاذاة لأحد المواقيت على هذا النحو مشى عليه كثير من الفقهاء وهو غير مُسَلَّمٍ، لأن عدم المحاذاة حقيقة لا يُتصور، والأولى أن يكون تعبيرهم في هذا المحل مربوطًا بعدم العلم بالمحاذاة، وهذا ما قال به ابن حجر رحمه الله تعالى: (( وتعقب بأن عمر رضي الله عنه إنما حدها لأنها تحاذي قرنا، وهذه الصورة إنما هي حيث يجهل المحاذاة، فلعل القائل بالمرحلتين أخذ بالأقل لأن ما زاد عليه مشكوك فيه لكن مقتضى الأخذ بالاحتياط أن يعتبر الأكثر الأبعد ) ) [2] .
وقال أيضا بعد أن ذكر المواقيت: «فعلى هذا فلا تخلو بقعة من بقاع الأرض أن تحاذي ميقاتًا من هذه المواقيت، فبطل قول من قال: من ليس له ميقاتًا ولا يحاذي ميقاتًا هو يحرم من مقدار أبعد من المواقيت أم أقربها؟
والفرض أن هذه الصورة لا تتحقق لِمَا قُلْتُه إلا أن يكون قائله فَرَضُهُ فيمن لم يَطَّلِعْ على المحاذاة كَمَنْ يجهلها .... » [3] .
وبهذا الرأي أخذ جماعة من الشافعية كابن يونس رحمه الله كما في نهاية المحتاج: (( المراد بعدم المحاذاة في علمه دون نفس الأمر، فإن المواقيت تعم جهات مكة فلا بد أن يحاذي أحدها ) ) [4] .
ويترتب على هذا الكلام أن مَنْ جهل المحاذاة فَأَخَّر إحرامه ثم تبين له أنه تجاوز مكان محاذاة المواقيت، فعليه دم إن لم يرجع إلى الميقات أو ما يحاذيه فيحرم منه كما سبق تفصيله.
وبناءً على هذا فإن الحرم المكي محاط من جميع جوانبه بمواقيت إما أصلية أو محاذية للمواقيت الأصلية، فميقات ذي الحليفة هو للقادمين من شمال الحرم، وميقات الجحفة للقادمين من الجهة الغربية والشمالية الغربية أيضًا، وميقات يلملم للجهة الجنوبية لمكة، وللجهة الجنوبية الغربية، وميقات ذات عرق وقرن المنازل للجهة الشرقية، للقادمين من جهة الشرق.
وهذا الكلام غير متفق عليه، بل ذهب بعض الفقهاء من الشافعية والحنابلة إلى أن المواقيت
(1) الإيضاح في مناسك الحج والعمرة ص120، 121، كنز الدقائق2/ 342.
(2) فتح الباري ج3/ص390، المبدع 3/ 103، لباب المناسك وشرحه المسلك المتقسط ص30.
(3) فتح الباري 3/ 457.
(4) نهاية المحتاج ج3/ص261.