المحاذية لا تعم جميع الجهات لمكة المكرمة، وذكروا أن القادمين من مدينة (سواكن) المطلة على الساحل الغربي للبحر الأحمر [1] قالوا: إن القادمين منها يحرمون للحج أو العمرة في جدة [2] .
قال البهوتي رحمه الله تعالى: (((وإذا تساويا) أي الميقاتان (قربا) منه فإنه يحرم (من أبعدهما) من مكة؛ لأنه أحوط (وإذا لم يحاذ ميقاتا) كالذي يجيء من سواكن إلى جدة من غير أن يمر برابغ ولا يلملم لأنهما حينئذ أمامه, فيصل جدة قبل محاذاتهما (أحرم عن مكة بقدر مرحلتين) فيحرم في المثال من جدة لأنها على مرحلتين من مكة لأنه أقل المواقيت )) [3] .
وقال في كتاب تحفة المحتاج شرح المنهاج: (( إن الجائي من اليمن في البحر له أن يؤخر إحرامه من محاذاة يلملم إلى جدة; لأن مسافتها إلى مكة كمسافة يلملم كما صرحوا به بخلاف الجائي فيه من مصر ليس له أن يؤخر إحرامه عن محاذاة الجحفة ) ) [4] .
أقول: رحم الله فقهاءنا السابقين ما قصروا في بذل الوسع في فهم المسائل وما قالوه من أن القادمين من سواكن يحرمون للحج أو العمرة في جدة، هو باعتبار ما توفر لديهم من معلومات جغرافية عن تلك المنطقة، ولو اطلعوا اليوم على الخرائط لعدلوا عن رأيهم، ودليلهم في ذلك أن الحاج يصل إلى جدة قبل محاذاة أحد الميقاتين، وقولهم أن المسافة بين يلملم ومكة كالمسافة بين مكة وجدة.
وقد رد بعض الشافعية على هذا الكلام بقوله: وليس للحاج أن يؤخر إحرامه إلى جدة; لأنها أقرب من يلملم بنحو الربع، وقولهم: إن جدة ويلملم مرحلتان؛ مرادهم: أن كلا لا ينقص عن مرحلتين, وإن تفاوتت المسافتان، كما حققه من سلك الطريقين، وهم عدد كادوا أن يتواتروا، فما في التحفة من جواز التأخير إلى جدة فهو لعدم معرفته المسافة فلا يغتر به [5] .
والحقيقة التي عليها الواقع أن ساحل جدة أقرب مسافة إلى مكة بنحو 14كم من ميقات
(1) تقع سواكن على الساحل الغربي للبحر الأحمر على خط عرض 19.5 درجة شمال خط الاستواء وخط طول 37.5 درجة شرق، وهي كانت في الأصل جزيرة سواكن ثم توسعت إلى"القيف"وما جاوره فغدت مدينة سواكن التي تضم الجزيرة و"القيف"و"كاس الدور."
(2) جدة مدينة تقع على ساحل البحر الأحمر، غربي مكة المكرمة، وتبعد عن مكة (78) كم، وبين مكة والبحر (87) كم.
(3) نهاية المحتاج ج3/ص261، شرح منتهى الإرادات للبهوتي 1/ 525، حاشية الجمل على شرح المنهج ج2/ص404، حاشية قليوبي ج2/ص119.
(4) تحفة المحتاج في شرح المنهاج 2/ 45.
(5) تحفة المحتاج في شرح المنهاج 2/ 45.