هذا وقد ذهب بعض الفقهاء -منهم الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله- إلى أن تحديد المواقيت في الجو لا يدخل تحت النص.
قال رحمه الله: «إنني أخلص من جميع ما تقدم بيانه إلى أن القادمين اليوم بطريق الجو في الطائرات لحج أو عمرة، لا يشملهم تحديد المواقيت الأرضية التي حددها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهم في الجو، فهي حالة قد سكت عنها النص؛ لأنها لم تكن في التصور أصلًا ... وفي نظري أن الحكم المناسب في هذا الموضوع والذي لا يترتب عليه حرج ولا إخلال: هو أن القادمين بالطائرات اليوم لا يجب عليهم الإحرام إلا من بعد أن تهبط الطائرة .... » [1] .
قلت: إن السكوت الذي يدل على الجواز هو ما رأى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من أمر وسكت عنه، فهذا حكم منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم بالجواز، وأما الأمر الذي لم يشاهده النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلا يقال فيه سكت عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بل ينبغي في هذا المحل النظر في الأدلة الموجبة للإحرام عند إرادة الدخول في المناسك فيلاحظ عليها أنها مطلقة، والإطلاق يعني وجوب تطبيق النصوص الشرعية المطلقة في كل الأحيان والظروف، إلا إذا دل دليل على تخصيص بعض أفراد المطلق، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سكت عن الإحرام في البحر، لأنه لم يكن موجودًا حينئذ، وأكثر الفقهاء قالوا بوجوب الإحرام عند المحاذاة في البحر -كما سبق- لدخوله في عموم الأدلة القاضية بوجوب الإحرام عند الدخول في المواقيت.
ثم قال الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله: «أما القول بأن عليه أن يحرم وهو في الطائرة في الجو متى مرت الطائرة بأحد المواقيت، أو حاذته، فهذا لا أرى دليلًا شرعيًا يوجبه، وهو مبني على تصور أن القدوم جوًا بالطائرة مشمولٌ بالحديث النبوي الذي حدد المواقيت الأرضية، وهذا في نظري رأي غير سليم في فهم النصوص فهمًا فقهيًا كما سبق إيضاحه، علاوة على ما فيه حرج شديد وصعوبة قد تصل إلى حد التعذر ...
وأغرب من ذلك قول من يقول: إن هذا الحرج يمكن دفعه بأن يحرم بملابسه في الطائرة، ثم يَخْلَعُها بعد الهبوط ويفدي بدم جزاء ... فمتى كانت هذه الشريعة الحكيمة السمحة تكلف أحدًا ما يشبه المستحيل لتعسره أو تعذره، على أن يخالفه المكلف،
(1) فتاوى مصطفى الزرقا ص187، 188، وانظر المفهوم الجغرافي لمعنى محاذاة الميقات المكاني للحج ص88، 89.