استدلالا بهذين الحديث ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن للمدينة المنورة حرما محظورًا يمنع من تنفير صيده وعضد شجره كحرم مكة.
ولا جزاء فيما حرم من صيدها وشجرها وحشيشها عند جمهور الفقهاء, بخلاف حرم مكة، وإنما تجب عليه التوبة والاستغفار.
لكن يجوز أخذ ما تدعو إليه الحاجة من شجر المدينة لمتاع المسافر, وآلة الحرث, ونحو ذلك، وكذلك يجوز أخذ ما تدعو الحاجة إليه من حشيشها لعلف الدواب، فعن عَلِيٍّ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( لا يختلى خَلَاهَا ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا ولا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إلا لِمَنْ أَشَادَ بها ولا يَصْلُحُ لِرَجُلٍ أَنْ يَحْمِلَ فيها السِّلاحَ لِقِتَالٍ، ولا يَصْلُحُ أَنْ يُقْطَعَ منها شَجَرَةٌ إلا أَنْ يَعْلِفَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ ) ) [1] .
وذهب الحنفية إلى أنه ليس للمدينة المنورة حرم يمنع فيه الصيد وأخذ الشجر، قالوا: وإنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم بحديثه المتقدم بقاء زينتها, كما ورد في حديث آخر من قوله صلى الله عليه وسلم: (( لا تهدموا الآطامَ فإنها زينةُ المدينة ) ) [2] .
واستدلوا لجواز الصيد بما رواه البزار عن سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ أَنَّهُ كان يَصِيدُ وَيَاتِي النبي صلى الله عليه وسلم من صَيْدِهِ فَأَبْطَأَ عليه ثُمَّ جَاءَهُ، فقال له رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( ما الذي حَبَسَك، فقال يا رَسُولَ اللَّهِ: انتفى عَنَّا الصَّيْدُ فَصِرْنَا نَصِيدُ، ما بين نَبْتٍ إلى قَنَاةٍ، فقال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (( أَمَا إنَّك لو كُنْت تَصِيدُ بِالْعَقِيقِ لَشَيَّعْتُك إذَا ذَهَبْت وَتَلَقَّيْتُك إذَا جِئْت، فَإِنِّي أُحِبُّ الْعَقِيقَ ) ) [3] .
المطلب الثاني
حدود الحرم المدني [4]
لقد جاء في تحديد حرم المدينة حديثان صحيحان؛ الأول حديث علي السابق؛ والثاني ما رواه البخاري عن أَنَس بن مَالِكٍ رضي الله عنه يقول خَرَجْتُ مع رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلى خَيْبَرَ أَخْدُمُهُ
(1) سنن أبي داود ج2/ص216، بَاب في تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ، رقم2035، مسند أحمد بن حنبل ج1/ص119، رقم959.
(2) عمدة القاري ج10/ص229 قال القاري رحمه الله: (( وهذا إسناد صحيح ورواه البزار في مسنده، والآطام جمع أطم بضم الهمزة والطاء وهو بناء مرتفع وأراد بآطام المدينة أبنيتها المرتفعة كالحصون ) ).
(3) شرح معاني الآثار ج4/ص195.
(4) المجموع 7/ 479، http://www.tohajj.com/Display. ... http://www.al3ez.net/mag/jebal_almadina_1.htm