قال النووي رحمه الله تعالى: اعلم أن زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهم القربات وأنجح المساعي, فإذا انصرف الحجاج والمعتمرون من مكة استحب لهم استحبابًا متأكدًا أن يتوجهوا إلى المدينة لزيارته صلى الله عليه وسلم، وينوي الزائر من الزيارة التقرب، وشد الرحل إليه، والصلاة فيه, وإذا توجه فليكثر من الصلاة والتسليم عليه صلى الله عليه وسلم في طريقه, فإذا وقع بصره على أشجار المدينة وحرمها وما يعرف بها، زاد من الصلاة والتسليم عليه صلى الله عليه وسلم، وسأل الله تعالى أن ينفعه بهذه الزيارة وأن يقبلها منه، ويستحب أن يغتسل قبل دخوله، ويلبس أنظف ثيابه, ويستحضر في قلبه شرف المدينة, وأنها أفضل الأرض بعد مكة عند بعض العلماء, وعند بعضهم أفضلها مطلقًا, وأن الذي شرفت به صلى الله عليه وسلم خير الخلائق [1] ، وليكن من أول قدومه إلى أن يرجع مستشعرًا لتعظيمه ممتلئ القلب من هيبته كأنه يراه, فإذا وصل باب مسجده صلى الله عليه وسلم فليقل الذكر المستحب في دخول كل مسجد [أي: يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول: اللهم افتح لي أبواب رحمتك[2] ], ويقدم رجله اليمنى في الدخول واليسرى في الخروج كما في سائر المساجد, فإذا دخل قصد الروضة الكريمة, وهي ما بين القبر والمنبر فيصلي تحية المسجد بجنب المنبر، وفي إحياء علوم الدين: أنه يستحب أن يجعل عمود المنبر حذاء منكبه الأيمن ويستقبل السارية التي إلى جانبها الصندوق, وتكون الدائرة في قبلة المسجد بين عينيه, فذلك موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا صلى التحية في الروضة أو غيرها من المسجد، شكر الله تعالى على هذه النعمة وسأله إتمام ما قصده وقبول زيارته.
(1) ملحظ: أجمع الفقهاء على أن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض سوى البقعة التي دفن فيها سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فهي أفضل منهما، وحتى الكعبة، واختلفوا في أي مسجديها أفضل، فقال الجمهور مسجد مكة أفضل من مسجد المدينة، وقال مالك رحمه الله مسجد المدينة أفضل، وانبنى على هذا الخلاف أنَّ من نذر الصلاة في مسجد مكة هل تجزئه الصلاة في مسجد المدينة؟ فقال الشافعية والحنابلة لا تجزئه الصلاة إن صلى بالمدينة، وقال المالكية: تجزئه، وأما الحنفية فقالوا: لا يتعين للصلاة مكان في النذر، فمن نذر أن يصلي في مكان جاز له أن يصلي في غيره. راجع بدائع الصنائع 5/ 93، حاشية ابن عابدين: 2/ 126، 256، 257، حاشية الدسوقي 2/ 173، الفروق للقرافي 3/ 87، روضة الطالبين 3/ 327، مغني المحتاج 4/ 465، المغني لابن قدامة 13/ 640، 4/ 495، فتح الباري 3/ 87.
(2) انظر صحيح ابن حبان ج5/ص396.