الثاني والثالث من أيام النحر [1] ، وهذا خلاف ما عليه الجمهور لحديث جابر رضي الله عنه السابق.
وظاهر قول هؤلاء أن الرمي يبدأ من بعد طلوع الفجر.
واستدل أبو حنيفة لهذه الرواية بالقياس على يوم النحر، وهو أن ما قبل الزوال في يوم النحر وقت الرمي في يوم النحر، فيجوز الرمي في هذين اليومين قبل الزوال لأن الكل أيام النحر.
وحمل أبو حنيفة رحمه الله ما ورد في حديث جابر من رمي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بعد الزوال على اختيار الأفضل.
وظاهر كلام الكاساني رحمه الله وغيره أنه لا يجوز الأخذ بهذه الرواية.
قال رحمه الله بعد أن ذكر حديث جابر رضي الله عنه: «وهذا باب لا يُعرف بالقياس بل بالتوقيف» [2] .
وهناك رواية أخرى عن أبي حنيفة رحمه الله تذكر أن تقديم الرمي قبل الزوال خاصٌّ بمَنْ يَنْفِر يومَ النَّفْر وهو اليوم الثاني من أيام التشريق (الثالث من أيام النحر) ، وذلك من أجل رفع الحرج عن الحاج [3] .
يقول الدكتور نور الدين عتر حفظه الله: «قوى بعض المتأخرين هذه الرواية توفيقًا بين الروايات عن أبي حنيفة رحمه الله، لكن العمل بها لغير المعذور مشكل، لأن نقلها عن الإمام ليس في قوة الرواية الأولى، فلا تصلح معارضة لها، ولضعف دليلها أيضًا» [4] .
وهذه الرواية يأخذ بها كثير من الحجاج، فيأتون ليلة ثاني أيام التشريق قبل الفجر فيرمون الجمرات عنِ اليوم الأول، ثم ينتظرون طلوع الفجر فيرمون الجمرات عن اليوم الثاني من أيام التشريق (وهو اليوم الثالث من أيام النحر) ثم ينفرون -يرحلون- بعدها، وهذا هو النفر الأول كما سيأتي بيانه.
وهذا العمل منهم فيه محظوران عند أغلب الفقهاء:
الأول: تأخيرهم رمي الجمرات إلى ما بعد الغروب، وهذا غير جائز عند المالكية والحنابلة، وجائز عند الشافعية ومكروه عند الحنفية، وسيأتي بيان هذا في المطلب الآتي.
(1) انظر بدائع الصنائع 2/ 137، 138، المسلك المتقسط ص127، فتح الباري 3/ 678.
(2) بدائع الصنائع 2/ 138، غنية المناسك في بغية المناسك لمحمد حسن شاه المهاجر المكي ص181، 182.
(3) المبسوط 4/ 68.
(4) الحج والعمرة (الهامش) ص109.