ثم يمكث الحاج بمكة إلى حين إرادة سفره، فحينئذ يجب عليه طواف الوداع، وهو آخر عمل يقوم به الحاج من شعائر الحج، وفي المطلب الآتي بيان مواقيته.
المطلب الثالث
مواقيت طواف الوداع [1]
عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنه قال: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يكونَ (طواف الوداع) آخِرَ عَهْدِهم بالبيت، إلا أنَّه خُفِّفَ عن المرأةِ الحائض [2] .
دَلَّ ظاهر هذا الحديث على وجوب طواف الوداع بعد أن يُنهي الحاج أعمال حجه وقبل شروعه بالرجوع إلى بلده، وأنه ليس على الحائض ومثلها النفساء طواف الوداع.
لكن الفقهاء اختلفوا في وقت هذا الطواف على قولين:
القول الأول: وقت طواف الوداع قُبيل السفر:
قال جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة: إن وقت طواف الوداع بعد فراغ الحاج من جميع أموره، وعزمه على السفر، ويجوز له بعده أن يشتغل بأسباب السفر، كشراء الزاد، وحمل الأمتعة، ونحو ذلك، ولا يعيد هذا الطواف؛ لأن ذلك ليس بإقامةٍ تُخْرِجُ طوافَه عن أن يكونَ آخر عهده بالبيت.
وإن مكث بعد الطواف بأمر آخر غير أسباب السفر، كتجارة، أو زيارة صديق، أو عيادة مريض: احتاج إلى إعادة الطواف [3] .
القول الثاني: وقت طواف الوداع بعد النَّفْرِ الأول:
قال الحنفية: يدخل وقت طواف الوداع بعد النَّفْرِ الأول، ويمتد وقته إلى أن يسافر، إلا أنه لا يجوز له أن يفعله قبل طواف الزيارة، لأنه آخر المناسك، وكل طواف يأتي به الحاج بعد طواف الزيارة يقع عن طواف الوداع، ولا يشترط له تعيين النية؛ لأن الوقت تعين له فتنصرف مطلق النية إليه كما في صوم رمضان.
(1) سمي طواف الوداع لتوديع البيت، ويسمى طواف الصدر؛ لأنه يكون عند صدور الناس من مكة.
وحكمه: أنه واجب عند الجمهور غير المالكية فقالوا: إنه مندوب. انظر الخرشي 2/ 342 والمصارد الآتية بعد الهامش التالي.
(2) رواه البخاري في الحج، باب طواف الوداع، ص343، رقم (1755) ، ومسلم -واللفظ له- في الحج، باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض، 2/ 963، رقم (1328) .
(3) انظر حاشية الدسوقي والشرح الكبير 2/ 53، جامع الأمهات ص201، 202، المجموع ومعه المهذب 8/ 232 فما بعدها، المغني 5/ 96 فما بعدها، الحج والعمرة ص125.