وقد كانت تلك السقائف خارج المسجد_ أنه إن طاف خارج المسجد لزحمة الناس، صح طوافه؛ لأن بالزحام يصير الجميع متصلا بالبيت، والله أعلم.
قال في الموسوعة الفقهية الكويتية: (( مكان الطواف هو حول الكعبة المشرفة داخل المسجد الحرام , قريبا من البيت أو بعيدا عنه , وهذا شرط متفق عليه , لقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} . فلو طاف من وراء مقام إبراهيم عليه السلام , أو من وراء حائل كمنبر أو غيره كالأعمدة , أو على سطح المسجد الحرام أجزأه ذلك , لأنه قد حصل حول البيت , ما دام ضمن المسجد , وإن وسع المسجد , ومهما توسع ما لم يبلغ الحل عند الجمهور وقال المالكية: يجوز الطواف بسقائف المسجد , وهي محل كان به قباب معقودة , ومن وراء زمزم وقبة الشراب حذاء زمزم , ولا يضر حيلولة الأسطوانات وزمزم والقبة بين الطائف والبيت بسبب زحمة انتهت إليها ; لأن الزحام يصير الجميع متصلا بالبيت , وإن لم تكن زحمة بل طاف تحت السقائف اعتباطا , أو لحر , أو لبرد , أو مطر أعاد وجوبا ما دام بمكة , ولم يرجع له من بلده أو مما يتعذر منه الرجوع , وعليه الدم , لكن الظاهر أن الحر والبرد الشديدين كالزحمة , كما قرر الدسوقي , وعلى هذا لو طاف في السقائف لزحمة ثم قبل كماله زالت الزحمة وجب إكماله في المحل المعتاد , سواء كان الباقي قليلا أو كثيرا , فلو كمل الباقي في السقائف فالظاهر أنه يعيد ذلك الذي كمله في السقائف ) ).
هذا ومن شرط الطواف أن يكون من وراء الحِجْر، فإن طاف فسلك الحِجر، أو طاف على جدار الحِجر، لم يُعْتدَّ بطوافه، لأن الحطيم من البيت [1] ، فإذا طاف في داخل الحطيم،
(1) عن عَائِشَةَ رضي الله عنها قالت: (( سَأَلْتُ النبي صلى الله عليه وسلم عن الْجَدْرِ أَمِنَ الْبَيْتِ هو قال: نعم قلت: فما لهم لم يُدْخِلُوهُ في الْبَيْتِ قال إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ قلت فما شَانُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا قال فَعَلَ ذلك قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا من شاؤوا وَيَمْنَعُوا من شاؤوا وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ في الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ ) ). صحيح البخاري ج2/ص573، رقم1507، صحيح مسلم ج2/ص969، رقم1333.
فائدة: احترقت الكعبة في عهد عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، فهدمها وأعاد بناءها وزاد في ارتفاعها، فجعله سبعة وعشرين ذراعًا، وأدخل فيها حِجْر إسماعيل.
وبعد مقتل ابن الزبير سنة 73هـ/ 692م كتب الحجاج بن يوسف الثقفي والي الحجاز عندئذ إلى الخليفة عبد الملك بن مروان أن ابن الزبير زاد في الكعبة ما ليس منها، واستأذنه في ردّها إلى ما كانت عليه قبله، فأذن له، فهدمها وأعاد بناءها كما كانت، ولم يتعرض أحد من حكام المسلمين لتغيير قواعد الكعبة، احتفاظًا لها بهيبتها، حتى يروى أن الخليفة العباسي، هارون الرشيد، أراد أن يهدمها ويردها إلى بناء ابن الزبير، واستشار الإمام مالك بن أنس، فنهاه عن ذلك، وقال له: «نشدتك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل بيت الله ملعبة للملوك لا يشاء أحد منهم أن يغيرّه إلا غيّره، فتذهب هيبته من قلوب الناس» فأخذ الخليفة برأي الإمام مالك، فظلت الكعبة على حالها دون أن تمس.