مرة )) [1] .
من هنا جرى الخلاف بين فقهاء العصر في جواز السعي في المسعى الجديد وعدمه، فمن رأى أن مسمى المسعى أكبر مما طاف به النبي صلى الله عليه وسلم أجاز السعي في المسعى الجديد.
وأكثر ما تمسك به المانعون من منع السعي في المسعى الجديد هو أن المسعى القديم هو المسعى الذي سعى به المسلمون من سالف عهدهم وسعى به النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (( لِتَاخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ ) ) [2] ، فلا يجوز العدول عنه إلى مكان آخر [3] .
ومحل الخلاف _من وجهة نظري_ يكمن في دراسة الصفا والمروة من الناحية الجغرافية والتاريخية.
والصفا والمروة جبلان بقرب المسجد الحرام، لم يكن من سابق أي بناء عليهما، فقد نقل الفاسي رحمه الله تعالى عن المحب الطبري رحمه الله تعالى مبيَّنًا ما بناه الناس على جبلي الصفا والمروة فقال: (( وقد بني على الصفا والمروة أبنية حتى سترتهما، بحيث لا يظهر منهما شيء غير يسير في الصفا ) ) [4] .
وأول تغيير حدث للمسعى في البناء عليهما كان في زمن الخلافة العباسية، قال الأزرقي: (( كان الصفا والمروة يشتد فيهما من سعى بينهما ولم يكن فيهما بناء ولا درج حتى كان عبد الصمد بن علي في خلافة أبي جعفر المنصور فبنى درجهما التي هي اليوم درجهما فكان أول من أحدث بناءها ثم كمل بعد ذلك بالنورة في زمن مبارك الطبري في خلافة المأمون ) ) [5] .
وقال الأزرقي رحمه الله تعالى أثناء حديثه عن توسعة المهدي: (( واشتروا الدور وهدموها فهدموا أكثر دار ابن عباد بن جعفر العائذي وجعلوا المسعى والوادي فيهما فهدموا ما كان بين الصفا والوادي من الدور ثم حرفوا الوادي في موضع الدور حتى لقوا به الوادي القديم بباب أجياد الكبير بفم خط الخزامية ) ) [6] .
وقال أيضا أثناء حديثه عن توسعة المهدي: (( ودخلت أيضا دار خيرة بنت سباع الخزاعية بلغ ثمنها ثلاثة وأربعين ألف دينار دفعت إليها وكانت شارعة على المسعى يومئذ قبل أن يؤخر المسعى ) ) [7] .
وقال ابن نجيم رحمه الله تعالى: (( وأما عرض المسعى فحكى العلامة الشيخ قطب الدين الحنفي في تاريخه نقلا عن تاريخ الفاكهي أنه خمسة وثلاثون ذراعا , ثم قال وها هنا إشكال عظيم ما رأيت أحدا تعرض له وهو أن السعي بين الصفا والمروة من الأمور التعبدية في ذلك المكان المخصوص وعلى ما ذكر الثقات أدخل ذلك المسعى في الحرم الشريف وحول ذلك المسعى إلى دار ابن عباد كما تقدم, والمكان الذي يسعى فيه الآن لا يتحقق أنه من عرض المسعى الذي سعى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو غيره فكيف يصح السعي فيه وقد حول عن محله؟!
ولعل الجواب أن المسعى كان عريضا وبنيت تلك الدور بعد ذلك في عرض المسعى القديم فهدمها المهدي , وأدخل بعضها في المسجد الحرام وترك البعض, ولم يحول تحويلا كليا وإلا لأنكره علماء الدين من الأئمة المجتهدين ... )) [8] .
قال الأستاذ الدكتور سعود بن عبد الله الفنيسان: (( لقد شهد الشهود في المحكمة الشرعية بمكة من أهل الخبرة وكبار السن على أن جبلي الصفا والمروة أعرض مما يشاهد من جهتي الشرق والغرب ) ) [9] .
نستنتج مما سبق أن المسعى يضيق ويتسع على مدار العصور بالبيوت والدور المبنية على جنباته وفي بطن الوادي منه، وإذا تقرر أن هذا التحديد لعرض المسعى كان من صنع البشر وحسب حاجتهم، فلا يجوز تنزيل هذا التحديد وكأنه نص شرعي لا تجوز مخالفته، ولو
(1) فتاوى الرملي 2/ 86.
(2) صحيح مسلم ج2/ص943، بَاب اسْتِحْبَابِ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يوم النَّحْرِ رَاكِبًا ... رقم1297.
(3) قال في تحفة المحتاج 4/ 100: (( يجب أن يسعى في بطن الوادي ولو التوى فيه يسيرا لم يضر قال شارحه بخلافه كثيرا بحيث لم يخرج عن سمت العقد المشرف على المروة إذ هو مقارب لعرض المسعى مما بين الميلين الذي ذكر الفاسي أنه عرضه ثم ما ذكره هو في المجموع حيث قال قال الشافعي والأصحاب لا يجوز السعي في غير موضع السعي فلو مر وراء موضعه في زقاق العطارين أو غيره لم يصح سعيه ; لأن السعي مختص به فلا يجوز فعله في غيره كالطواف ) ).
(4) المصدر السابق ص315.
قال الأزرقي رحمه الله تعالى أثناء حديثه عن توسعة الحرم: (( فضاق على الناس فاشترى عمر بن الخطاب رضي الله عنه دورا فهدمها وهدم على من قرب من المسجد وأبى بعضهم أن يأخذ الثمن وتمنع من البيع فوضعت أثمانها في خزانة الكعبة حتى أخذوها بعد ثم أحاط عليه جدارا قصيرا وقال لهم عمر أنما نزلتم على الكعبة فهو فناؤها ولم تنزل الكعبة عليكم ) ). أخبار مكة للأزرقي ج2/ص69.
(5) أخبار مكة للأزرقي ج2/ص120، شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام لأبي الطيب تقي الدين محمد بن أحمد الفاسي 1/ 300.
(6) أخبار مكة للأزرقي ج2/ص74.
(7) أخبار مكة للأزرقي ج2/ص80
(8) البحر الرائق 2/ 359.
(9) مقال للأستاذ الدكتور سعود بن عبد الله الفنيسان، المسعى وحكم زياداته الشرعية عبر التاريخ 21/ 2/1429_ 28/ 02/2008.