رسولَ اللهِ صلى الله عليه وعلى آله وسلم حَدَّ لأَهلِ نَجْدٍ قرنًا، وهو جَوْرٌ [1] عن طَريقِنَا، وإنا إِنْ أَرَدْنَا قرنًا شَقَّ عَلَيْنَا، قال: فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ، فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ.
اشتملت هذه الأحاديث الثلاثة على ذكر خمسة مواقيت مكانية للإحرام بالحج والعمرة، وقد أجمع أهل العلم على أربعة مواقيت منها، وهي ذو الحليفةِ، والجحفةُ، وقَرْنُ المنازِلِ، ويَلَمْلَم، وأما ميقات ذاتِ عِرْقٍ فقد اختلفوا في أنه هل ثبتَ تحديده ميقاتًا لأهل المشرق بنصِّ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أم أن ذلك ثبت باجتهاد من عمر رضي الله عنه؟
وبالأول قال جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة مستدلين بحديث عائشة رضي الله عنها السابق، وبالثاني قال المالكية مستدلين بحديث ابن عمر رضي الله عنهما.
ولا أثر لهذا الاختلاف -فيما أحسب- ما دام أن جمهور الصحابة فمن بعدهم قد اتفقوا - أو أجمعوا [2] - على أن ذات عرق ميقاتًا لأهل العراق.
ووجه الجمع بين حديث السيدة عائشة رضي الله عنها وحديث عمر رضي الله عنه في توقيته ذات عرق:
أن يُحمل تحديد عمر رضي الله عنه باجتهاده على أنه لم يبلغه تحديد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فَحَدَّدَه باجتهاده فوافق قَوْلَ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في تحديده ذات عرق [3] .
هذا ما يقال عن الأصل الشرعي لمواقيت الحج والعمرة المكانية، وفيما يلي بيان كل ميقات على حدة.
أولًا: ميقات ذي الحُلَيْفَةِ [4] :
ذو الحُلَيْفَة: موضع قريب من المدينة المنورة، يُحْرِمُ منه أهل المدينة ومن أتى عن طريقهم كأهل الشام.
وتُعرف هذه المنطقة باسم (أبيار علي) ، وهي أبعد المواقيت عن مكة، تبلغ المسافة بينها وبين مكة (420) كيلو متر تقريبًا، وتبلغ المسافة من ضفة وادي ذي الحليفة إلى المسجد النبوي (13) كيلومتر.
ثانيًا: ميقات الجُحْفَةِ [5] :
(1) أي مَيْلٌ.
(2) حكى هذا الإجماع ابن قدامة رحمه الله عن ابن عبد البر. انظر المغني 4/ 391.
(3) انظر المجموع 7/ 202، المغني 4/ 392.
(4) ملحظ: وميقات ذي الحليفة جميع الوادي. انظر الذخيرة 3/ 206.
(5) ويقال لها مَهْيَعة، قرية على نحو ثلاث مراحل من مكة، سُمِّيت جحْفة: لأن السيلَ جَحَفَهَا في الزمن الماضي. انظر المجموع 7/ 198.1