الصفحة 274 من 603

فرأيته فيما يرى النائم في روضة من رياض الجنة وعليه حلتان من حلل الجنة وهو يتلو الوحي (سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) (1) ، فقلت: ألست بصاحبي؟ قال: بلى، قلت: أنى لك هذا؟ قال: إن لله درجات لا تنال إلا بالصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء مع خشية الله عز وجل في السر والعلانية. (ثقات ابن حبان 5/3-5)

قال زيد بن أسلم: مات ابن لداود عليه السلام فجزع عليه فعزوه فيه فقيل له: ما كان يعدل عندك؟ قال: كان أحب إلي من ملء الأرض ذهبًا؛ فقيل له: فإن لك من الأجر على قدر ذلك. (تسلية أهل المصائب ص110)

قال وهب بن منبه: ما من شيء إلا يبدو صغيرًا ثم يكبر إلا المصيبة فإنها تبدو كبيرة ثم تصغر (2)

(1) الرعد (24) .

(2) وقال ابن القيم في (عدة الصابرين) (ص77 وما بعدها) :

(وقدم عروة بن الزبير على الوليد بن عبد الملك ومعه ابنه محمد وكان من أحسن الناس وجهًا، فدخل يومًا على الوليد في ثياب وشيء، وله غديرتان، وهو يضرب بيده، فقال الوليد: هكذا تكون فتيان قريش، فعانه [أي حسده] ، فخرج من عنده متوسنًا فوقع في اصطبل الدواب فلم تزل الدواب تطؤه بأرجلها حتى مات؛ ثم ان الآكلة وقعت في رجل عروة فبعث إليه الوليد الأطباء فقالوا: إن لم تقطعها سرت إلى باقي الجسد فتهلك؛ فعزم على قطعها فنشروها بالمنشار فلما صار المنشار إلى القصبة وضع رأسه على الوسادة ساعة فغشي عليه ثم أفاق والعرق يتحدر على وجهه وهو يهلل ويكبر؛ فأخذها وجعل يقلبها في يده، ثم قال: أما والذي حملني عليك انه ليعلم اني ما مشيت بك إلى حرام ولا إلى معصية ولا إلى ما لا يرضى الله؛ ثم أمر بها فغسلت وطيبت وكفنت في قطيفة ثم بعث بها إلى مقابر المسلمين.

فلما قدم من عند الوليد المدينة تلقاه أهل بيته وأصدقاؤه يعزونه فجعل يقول: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا) ، ولم يزد عليه؛ ثم قال: لا أدخل المدينة، إنما أنا بها بين شامت بنكبة أو حاسد لنعمة؛ فمضى إلى قصر بالعقيق فأقام هنالك، فلما دخل قصره قال له عيسى بن طلحة: لا أبا لشانئيك أرني هذه المصيبة التي نعزيك فيها، فكشف له عن ركبته فقال له عيسى: أما والله ما كنا نعدك للصراع، قد أبقى الله أكثرك: عقلك ولسانك وبصرك ويداك وإحدى رجليك؛ فقال له: يا عيسى ما عزاني أحد بمثل ما عزيتني به.

ولما أرادوا قطع رجله قالوا له: لو سقيناك شيئا كيلا تشعر بالوجع‍! فقال: إنما ابتلاني ليرى صبري أفأعارض أمره.

وسئل ابنه هشام كيف كان أبوك يصنع برجله التي قطعت إذا توضأ قال كان يمسح عليها---.

وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثنا سلام قال: سمعت قتادة يقول: قال لقمان وسأله رجل: أي شيء خيرًا؟ قال: صبر لا يتبعه أذى؛ قال: فأي الناس خيرًا؟ قال: الذي يرضى بما أوتي؛ قال: فأي الناس أعلم؟ قال: الذي يأخذ من علم الناس إلى علمه؛ قيل: فما خير الكنز من المال أو من العلم؟ قال: سبحان الله؛ بل المؤمن العالم الذي إن ابتغي عنده خير وجد وان لم يكن عنده كف نفسه؛ وبحسب المؤمن أن يكف نفسه---.

وقال حسان ابن أبى جبلة أيضًا في قوله تعالى (فصبر جميل) قال: لا شكوى فيه---.

وقال مجاهد: (فصبر جميل) في غير جزع.

وقال عمرو بن قيس: (فصبر جميل) قال: الرضا بالمصيبة والتسليم---.

وقال همام عن قتادة في قوله تعالى (وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم) قال: كظم على حزن فلم يقل إلا خيرًا.

وقال يحيى بن المختار عن الحسن: الكظيم: الصبور---.

وقال قيس بن الحجاج في قول الله (فاصبر صبرًا جميلًا) قال: أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يعرف من هو.

وكان شمر إذا عزى مصابًا قال: اصبر لما حكم ربك.

وقال أبو عقيل: رأيت سالم بن عبد الله بن عمر بيده سوط وعليه إزار في موت واقد بن عبد الله بن عمر لا يسمع صارخة ينالها بالسوط إلا ضربها.

قال ابن أبى الدنيا: حدثني محمد بن جعفر بن مهران قال: قالت امرأة من قريش:

أما والذى لا خلد إلا لوجهه ومن ليس في العز المنيع له كفو

لئن كان بدء الصبر مرًا مذاقه لقد يجتنى من غبه الثمر الحلو

قال: وأنشدنى عمرو بن بكير:

صبرت فكان الصبر خير مغبة وهل جزع يجدى علي فأجزع

ملكت دموع العين حتى رددتها إلى ناظرى فالعين في القلب تدمع

قال: وأنشدنى أحمد بن موسى الثقفي:

نبئت خولة أمس قد جزعت من أن تنوب نوائب الدهر

لا تجزعي يا خول واصبري إن الكرام بنوا على الصبر

قال: وحدثني عبد الله بن محمد بن اسماعيل التيمي أن رجلًا عزى رجلًا في ابنه فقال: إنما يستوجب على الله وعده من صبر له بحقه، فلا تجمع إلى ما أصبت به من المصيبة الفجيعةَ بالأجر، فإنها أعظم المصيبتين عليك وأنكى الرزيتين لك، والسلام.

وعزى ابن السماك رجلًا فقال: عليك بالصبر، فبه يعمل من احتسب، وإليه يصير من جزع---.

وقال ابن أبى الدنيا: حدثني الحسين بن عبد العزيز الحروزي قال: مات ابن لي نفيس فقلت لأمه: اتقي الله واحتسبيه واصبري؛ فقالت: مصيبتي أعظم من أن أفسدها بالجزع.

قال ابن أبي الدنيا: وأخبرني عمر بن بكير عن شيخ من قريش قال: مات الحسن بن الحصين أبو عبيد الله بن الحسن وعبيد الله يومئذ قاض على البصرة وأمير، فكثر من يعزيه فتذاكروا ما يتبين به جزع الرجل من صبره؛ فأجمعوا أنه إذا ترك شيئًا مما كان يصنعه فقد جزع). انتهى كلام ابن القيم وقد حذفت بعض ما نقله من الآثار لورودها في غير هذا الموضع.

وروى البيهقي بإسناده في مناقب الشافعي رحمه الله أن عبد الرحمن بن مهدي مات له ابن فجزع عليه جزعًا شديدًا، فبعث إليه الشافعي يقول له: يا أخي عزِّ نفسك بما تعزي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من غيرك؛ واعلم أن أمضّ المصائب فقد سرور وحرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر؟‍فتناول حظك يا أخي إذا قرب منك قبل أن تطلبه وقد تناءى عنك؛ ألهمك الله عند المصائب صبرًا، وأحرزَ لنا ولك بالصبر أجرًا؛ ثم أنشده:

إني معزيك لا أني على ثقة من الخلود ولكن سنة الدين

فلا المعزَّى بباق بعد ميته ولا المعزي ولو عاشا إلى حين

ذكر هذا الأثر العلامة أبو عبد الله محمد بن محمد المنبجي في كتابه القيم (تسلية أهل المصائب) (ص111) ، وقد عقد (ص109-115) فصلًا نفيسًا فيما نقل من ألفاظ التعزية عن السلف والخلف؛ فراجعه، وراجع أيضًا (ص140-145) منه.

وقال أبو العتاهية كما في (نثر النظم وحل العقد) للثعالبي (ص168) :

اصبرْ لكل مصيبة وتجلدِ واعلم بأن المرء غير مخلدِ

أوَما ترى أن المصائب جمة وترى المنيّة للعباد بمرصدِ

من لم يُصَبْ ممن ترى بمصيبة؟ هذا سبيلٌ لستَ فيه بأوحدِ

وإذا ذكرتَ مصيبةً تشجى بها فاذكرْ مصابك بالنبي محمدِ

صلى الله عليه وسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت