الصفحة 309 من 603

عن وادع بن الأسود عن الشعبي قال: ما أروي شيئًا أقل من الشعر، ولو شئت لأنشدتكم شهرًا لا أعيده. (صف3/75)

سعة العلم وصعوبة التبحر فيه، إلا بتوفيق من الله تعالى

قال الشعبي: العلمُ أكثرُ من عدد القطرِ فخذْ منْ كلِّ شيءٍ أحسنَهُ؛ ثمَّ تلا (فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ) (1) . (4/314)

قال إبراهيم النخعي: إني لأسمع الحديث فأنظر إلى ما يؤخذ به فآخذ به وأدع سائره (2) . (4/225)

قال الربيع بن خثيم: إن من الحديث حديثًا له ضوء كضوء النهار، نعرفه به، وإن من الحديث حديثًا له ظلمة كظلمة الليل نعرفه بها. (معرفة علوم الحديث للحاكم ص62)

قال الزهري: إن هذا العلمَ إنْ أخذتَه بالمكاثرة غلبَك ولم تظفرْ منه بشيء، ولكن خذه مع الأيام والليالي أخذًا رفيقًا تظفر به. (3/364)

قال يحيى بن أبي كثير: لا يأتي العلم براحة الجسد (3)

(1) الزمر (17-18) .

(2) هذا من باب اجتناب الغرائب وما ليس عليه العمل؛ وهو قد يدخل أيضًا في باب الانتقاء والتخفف والاقتصار على المهم النافع.

(3) هذا المعنى متفق عليه بين علماء السلف، وهو معروف مشهور عندهم، ثم إن كثرة العلوم في هذه الأزمنة المتأخرة وتفرعها وتشعبها وطول ذيولها: أسباب زادت في صعوبتها من جهات عديدة، من جهة الاطلاع عليها وفهمها ومعرفة دقائقها وتفاصيلها؛ ومن جهة تحقيقها ومعرفة اختلاف العلماء فيها، ومن جهة حفظها وتلخيصها، ومن جهة العمل بها.

ولذلك فإن قول الشعبي (العلمُ أكثرُ من عدد القطرِ فخذْ منْ كلِّ شيءٍ أحسنَهُ) ، ينبغي أن يعدَّ من محاسن الكلم ومعادن الحكم، ولا سيما في حق أهل هذا العصر؛ ولئن كان الشعبي وهو المضروب به المثل في سرعة الحفظ وكماله وسعة الاطلاع وطول الباع يقول هذا وهو في ذلك الزمان الذي كان العلماء والطلبة يستغنون فيه عن كثير مما يحتاجه طالب العلم اليوم؛ فما ظنك لو اطلع مثل الشعبي على أحوال هذا العصر المتأخر جدًا وأحوال أهله؛ ماذا تظنه يقول لنا؟ وبأي شيء ينصحنا؟

نحن ابتعدنا عن اللغة بعدًا صرنا به أقرب إلى العجمة منا إلى العربية؛ وانحرفنا عن لب العلم وأصله والنافع منه انحرافًا لا ينكره إلا من يجهل حقيقة الحال؛ وخرجنا عن جادة السلف والمتقدمين، في جل العلوم، في التفسير وعلوم القرآن، وفي الفقه وأصوله، وفي الحديث ورجاله، وفي التزكية ومتعلقاتها، وفي علوم الآداب ومشتقاتها، وفي النحو والصرف والبلاغة، بعدت علينا الشقة وطالت علينا الأسانيد وكثرت حولنا التراجم وازدحمت، وتراكمت بين أيدينا الاختلافات وتعقدت، ودخل في العلم من ليس من أهله، وتكلم في الأمور الخطيرة من لا يقبل الكلام من مثله.

كم علم تجدد علينا والصحابة عنه أغنياء، وكم عيب وقع في علمنا والسلف منه برءاء؛ آلاف من الكتب وآلاف من الكتّاب، آلاف من المسائل وآلاف من الأبواب؛ مئات من الفرق والزرافات، ومئات من الطرق والخلافات.

فإذا كان الحال كذلك فترى متى ينتهي المجتهد منا إلى ما كان يبتدئ به العامي من المسلمين في عصر أتباع التابعين مثلًا؟

لقد كثرت البدع والأهواء، وتعالت أصوات العقول القاصرة والآراء؛ حتى صار الحق بعيدًا أو غريبًا، وصار الباطل حبيبًا أو قريبًا؛ وحتى تشاكلت الأحوال والتبست، وتداخلت الأقوال وأشكلت، فكم من طالب حديث طال من العلم النافع حرمانه؛ وطالب فقه قل في طريق طلبه أعوانُه؛ وطالبِ عقيدة عاش في تيه؛ ومستفتٍ لم يطمئن قلبُه إلى قول مفتيه.

ولم تأت صعوبة العلم اليوم مما تقدم من الأسباب والعوائق فقط؛ وإنما صار مرتقى العلم وعرًا جدًا ومركبه صعبًا حقًا، بسبب أمور أخرى تضاف إلى ما تقدم، وهي ضعف الهمم وغربة الحق وندرة الناصر المؤازر وظهور الكافر والفاجر، وانفتاح الدنيا، وكثرة مشاغلها وحاجاتها.

نعم، اليوم الهمم دانية ضئيلة، والهموم عالية ثقيلة، والعلوم - إلا ما استثناه الله منها - مائلة مميلة، والخلافات فيها وفي غيرها طويلة عريضة وبيلة.

اليوم وجوه الأيام حالت وتبدلت، وقلوب الأنام مالت وتغيرت، والآراء غرّبت بأهلها وشرّقت، والفرقة وقعت وتحققت، والغربة غير غريبة، والفتنة عجيبة عجيبة، والله وحده المستعان، وكفى به ناصرًا ومعينا.

قماذا عسى أن يفعل طالب العلم في مثل هذه الظروف العصيبة والأيام الشديدة؟

فأرجع وأقول: ما أحكم كلمة الشعبي رحمه الله تعالى وما أليقها بحالنا!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت