. (3/66 والمحدث الفاصل ص202)
الفتوى والاستفتاء (1)
(1) الفتيا شأنها عظيم جدًا، وخطرها جسيم غايةً، ولذلك كان السلف يتدافعونها، وحذر الأئمة من التسرع في أمرها وبالغوا، وما ذاك إلا لمعرفتهم بشدة شأنها؛ حتى إن ابن معين، رحمه الله، سئل: أيفتي الرجل من مئة ألف حديث؟ قال: لا؛ قيل: ومن مئتي ألف؟ قال: لا؛ قيل: ثلاثمئة؟ قال: لا، قيل: خمس مئة ألف؟ قال: أرجو؛ أسنده إليه الخطيب في (الجامع) (2/174) ؛ ثم قال الخطيب عقبه:
(وليس يكفيه إذا نصب نفسه للفتيا أن يجمع في الكتب ما ذكره يحيى، دون معرفته به، ونظره فيه، وإتقانه له، فإن العلم هو الفهم والدراية، وليس بالإكثار والتوسع في الرواية) .
ثم روى عن مالك بن أنس قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية؛ إنما العلم نور يجعله الله في القلب؛ وروى عقبه عن أبي همام قال: (سمعت شريكًا سئل عن قوله تعالى"يؤتي الحكمة من يشاءُ"، قال: الفهم) .
وقد عقد ابن القيم في (بدائع الفوائد 3/792-794) فصلًا ذكر فيه خطورة الفتوى وكيف كان علماء السلف يهابونها ويتدافعونها؛ وذكر في ذلك آثارًا طيبة رأيت نسخها في هذا الموضع، وهذه هي:
ابن عيينة عن محمد بن المنكدر قال: إن العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم.
وقال سهل بن عبد الله: من أراد أن ينظر إلى محاسن الأنبياء فلينظر إلى محاسن العلماء يجيء الرجل فيقول: يا فلان إيش تقول في رجل حلف على امرأته بكذا وكذا؟ فيقول: طلقت امرأته؛ وهذا مقام للأنبياء فاعرفوا لهم ذلك.
قال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت مئة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول ما منهم من أحد إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.
وقال ابن مسعود: من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون.
عن ابن عباس رضي الله عنهما نحوه.
وقال حصين الأسدي: إن أحدكم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر بن الخطاب لجمع لها أهل بدر.
وعن الحسن والشعبي مثله.
وقال الحاكم: سمعت أبا عبد الله الصفار يقول: سمعت عبد الله ابن أحمد يقول: سمعت أبي يقول: سمعت الشافعي يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: سمعت محمد بن عجلان يقول: إذا أخطأ العالم لا أدري أصيبت مقاتله.
وروى ذلك بنحوه عن ابن عباس.
وذكر أبو عمر عن القاسم بن محمد أنه جاءه رجل فسأله عن شيء فقال القاسم: لا أحسنه؛ فجعل الرجل يقول: إني دفعت إليك؛ لا أعرف غيرك؛ فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي؛ والله لا أحسنه؛ فقال شيخ من قريش جالس إلى جنبه: يا ابن أخي الزمها، فوالله ما رأيت في مجلس أبيك مثل اليوم؛ فقال القاسم: والله لئن يقطع لساني أحب إلى من أن أتكلم بما لا أعلم.
وذكر أبو عمر عن ابن عيينة وسحنون: أجسر الناس على الفتيا أقلهم علمًا.
وكان مالك بن أنس يقول: من أجاب في مسألة فينبغي من قبل أن يجيب فيها أن يعرض نفسه على الجنة أو النار وكيف يكون خلاصه في الآخرة.
وسئل عن مسألة فقال: لا أدري؛ فقيل له: إنها مسألة خفيفة سهلة، فغضب وقال: ليس في العلم شيء خفيف؛ ألم تسمع قوله جل ثناؤه: (إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا) [المزمل 5] ؛ فالعلم كله ثقيل؛ وخاصة ما يسأل عنه يوم القيامة.
وقال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تصعب عليهم المسائل، ولا يجيب أحدهم في مسألة حتى يأخذ رأي صاحبه، مع ما رزقوا من السداد والتوفيق، مع الطهارة؛ فكيف بنا الذين غطت الخطايا والذنوب قلوبنا؛ [أقول: لينظر أهذا كله كلام مالك، أم في آخره كلام لابن القيم؟]
وقال عبد الرحمن بن مهدي: جاء رجل إلى مالك يسأله عن شيء أيامًا ما يجيبه؛ فقال: يا أبا عبد الرحمن إني أريد الخروج وقد طال التردد إليك؛ فأطرق طويلًا ثم رفع رأسه وقال: ما شاء الله؛ يا هذا إني إنما أتكلم فيما احتسب فيه الخير؛ ولست أحسن مسألتك هذه.
وسئل الشافعي عن مسألة فسكت فقيل له: ألا تجيب يرحمك الله؟ فقال: حتى أدري الفضل في سكوتي أو في الجواب.
وكان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتى فتيا ولا يقول شيئًا إلا قال: اللهم سلمني وسلم مني.
وقال سحنون: أشقى الناس من باع آخرته بدنياه؛ وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره؛ فقال: تفكرت فيه، وجدته المفتي، يأتيه الرجل قد حنث في امرأته ورقيقته، فيقول له: لا شيء عليك، فيذهب الحانث فيستمتع بامرأته ورقيقته، وقد باع المفتي دينه بدنيا هذا.
وجاء رجل إلى سحنون يسأله عن مسألة فأقام يتردد إليه ثلاثة أيام، فقال: مسألتي أصلحك الله؛ اليوم ثلاثة أيام! فقال له: وما أصنع بمسألتك؟ مسألتك معضلة، وفيها أقاويل، وأنا متحير في ذلك؛ فقال: وأنت أصلحك الله لكل معضلة؛ فقال سحنون: هيهات يا ابن أخي، ليس بقولك هذا أبذل لحمي ودمي للنار؛ وما أكثر ما لا أعرف؛ إن صبرتَ رجوتُ أن تنقلبَ بمسألتك؛ وإن أردتَ أن تمضي إلى غيري فامض تجاب في مسألتك في ساعة؛ فقال: إنما جئت إليك ولا أستفتي غيرك؛ قال: فاصبر؛ ثم أجابه بعد ذلك.
وقيل له: إنك تسأل عن المسألة لو سئل عنها أحد من أصحابك لأجاب فيها، فتتوقف فيها؛ فقال: إن فتنة الجواب بالصواب أشد من فتنة المال.
وقال بعض العلماء: قلَّ من حرص على الفتوى وسابق إليها وثابر عليها إلا قل توفيقه واضطرب في أمره؛ وإن كان كارها لذلك غير مختار له ما وجد مندوحة عنه وقدر أن يحيل بالأمر فيه إلى غيره كانت المعونة له من الله أكثر، والصلاح في جوابه وفتاويه أغلب.
وقال بشر الحافي: من أحب أن يُسألَ فليس بأهلٍ أن يُسأل.
وذكر أبو عمر عن مالك: أخبرني رجل أنه دخل على ربيعة، فوجده يبكي؛ فقال: ما يبكيك؟! أمصيبة دخلت عليك؟! وارتاع لبكائه؛ فقال: لا، ولكن استُفْتِي من لا علم له، وظهر في الإسلام أمر عظيم؛ قال ربيعة: ولبعض من يفتي ههنا أحق بالحبس من السراق.
انتهى ما أردت نقله هنا من كتاب (بدائع الفوائد) .
وعقد ابن القيم في (إعلام الموقعين) (2/184-187) بيانًا أسماه: (ذكر تحريم الإفتاء في دين الله بغير علم وذكر الإجماع على ذلك) قال فيه:
(قد تقدم قوله تعالى(وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون) وأن ذلك يتناول القول على الله بغير علم في أسمائه وصفاته وشرعه ودينه.
وروى مالك بن مغول عن أبي حصين عن مجاهد عن عائشة أنه لما نزل عذرها قبل أبو بكر رأسها، قالت: فقلت: ألا عذرتني عند النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت ما لا أعلم؟!
وروى أيوب عن ابن أبي مليكة قال: سئل أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن آية فقال: أي أرض تقلني وأي وسماء تظلني وأين أذهب وكيف أصنع إذا أنا قلت في كتاب الله بغير ما أراد الله بها؟
وذكر البيهقي من حديث مسلم البطين عن عزرة التميمي قال: قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في الجنة: وابَردها على كبدي؛ ثلاث مرات؛ قالوا: يا أمير المؤمنين، وما ذاك؟ قال: أن يُسأل الرجل عما لا يعلم فيقول: الله أعلم.
وذكر أيضًا عن علي رضي الله عنه قال: خمس إذا سافر فيهن رجل إلى اليمن كن فيه عوضًا من سفره: لا يخشى عبد إلا ربه؛ ولا يخاف إلا ذنبه؛ ولا يستحي مَن لا يعلم أن يتعلم؛ ولا يستحي مَن يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: الله أعلم؛ والصبر من الدين بمنزلة الرأس من الجسد.
وقال الزهري عن خالد بن أسلم، وهو أخو زيد بن أسلم: خرجنا مع ابن عمر نمشي فلحقَنا أعرابيٌّ فقال: أنت عبد الله بن عمر؟ قال: نعم؛ قال سألت عنك فدللت عليك، فأخبرني أترث العمة؟ قال: لا أدري؛ قال: أنت لا تدري؛ قال: نعم اذهب إلى العلماء بالمدينة فاسألهم فلما أدبر قبل يديه وقال: نعمّا قال أبو عبد الرحمن؛ سئل عما لا يدري فقال: لا أدري.
وقال ابن مسعود: من كان عنده علم فليقل به؛ ومن لم يكن عنده علم فليقل: الله أعلم؛ فإن الله قال لنبيه: (قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين) [سورة ص 86] .
وصح عن ابن مسعود وابن عباس: من أفتى الناس في كل ما يسألونه عنه فهو مجنون.
وقال ابن شبرمة: سمعت الشعبي إذا سئل عن مسألة شديدة قال: رُبَّ ذات وَبَر لا تنقاد ولا تنساق، ولو سئل عنها الصحابة لعضَلَتْ بهم.
وقال أبو حصين الأسدي: إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر.
وقال ابن سيرين: لأن يموت الرجل جاهلًا خير له من أن يقول ما لا يعلم.
وقال القاسم: من إكرام الرجل نفسه أن لا يقول إلا ما أحاط به علمه؛ وقال: يا أهل العراق والله لا نعلم كثيرًا مما تسألوننا عنه؛ ولأن يعيش الرجل جاهلًا إلا أن يعلم ما فرض الله عليه خير له من أن يقول على الله ورسوله ما لا يعلم.
وقال مالك: من فقه العالم أن يقول: لا أعلم؛ فإنه عسى أن يتهيأ له الخير؛ وقال: سمعت ابن هرمز يقول: ينبغي للعالم أن يورث جلساءه من بعده لا أدري حتى يكون ذلك أصلًا في أيديهم يفزعون إليه.
وقال الشعبي: لا أدري نصف العلم.
وقال ابن جبير: ويل لمن يقول لما لا يعلم: إني أعلم.
وقال الشافعي: سمعت مالكًا يقول: سمعت ابن عجلان يقول: إذا أغفل العالم لا أدري، أصيبت مقاتله؛ وذكره ابن عجلان عن ابن عباس.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: جاء رجل إلى مالك، فسأله عن شيء؛ فمكث أيامًا ما يجيبه؛ فقال: يا أبا عبد الله إني أريد الخروج؛ فأطرق طويلًا، ورفع رأسه، فقال: ما شاء الله، يا هذا، إني أتكلم فيما أحتسب فيه الخير، ولست أحسن مسألتك هذه.
وقال ابن وهب: سمعت مالكًا يقول: العجلة في الفتوى نوع من الجهل والخرَق.
قال: وكان يقال: التأني من الله، والعجلة من الشيطان.
وقال ابن المنكدر: العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل بينهم.
وقال ابن وهب: قال لي مالك، وهو ينكر كثرة الجواب في المسائل: يا عبد الله ما علمتَ فقل؛ وإياك أن تقلد الناس قلادة سوء.
وقال مالك: حدثني ربيعة قال: قال لي أبو خلدة، وكان نعم القاضي: يا ربيعة أراك تفتي الناس، فإذا جاءك الرجل يسألك فلا يكن همك أن تتخلص مما سألك عنه.
وقال مالك ما أجبت في الفتوى حتى سألت من هو أعلم مني: هل تراني موضعًا لذلك؟ سألت ربيعة، وسألت يحيى بن سعيد، فأمراني بذلك؛ فقيل له: يا أبا عبد الله فلو نهوك؟ قال: كنت أنتهي.
وقال ابن عباس لمولاه عكرمة: اذهب فأفتِ الناس وأنا لك عون؛ فمن سألك عما يعنيه فأفته؛ ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته؛ فإنك تطرح عن نفسك ثلثي مؤنة الناس.
وكان أيوب إذا سأله السائل قال له: أعد؛ فإن أعاد السؤال كما سأله عنه أولًا أجابه، وإلا لم يجبه؛ وهذا من فهمه وفطنته رحمه الله.
وفي ذلك فوائد عديدة.
منها أن المسألة تزداد وضوحًا وبيانًا بتفهم السؤال.
ومنها: أن السائل لعله أهمل فيها أمرًا يتغير به الحكم، فإذا أعادها ربما بينه له.
ومنها: أن المسؤول قد يكون ذاهلًا عن السؤال أولًا، ثم يحضر ذهنه بعد ذلك.
ومنها: أنه ربما بان له تعنت السائل، وأنه وضع المسألة؛ فإذا غير السؤال وزاد فيه ونقص فربما ظهر له أن المسألة لا حقيقة لها، وأنها من الأغلوطات، أو غير الواقعات التي لا يجب الجواب عنها؛ فإن الجواب بالظن إنما يجوز عند الضرورة؛ فإن وقعت المسألة صارت حال ضرورة فيكون التوفيق إلى الصواب أقرب؛ والله أعلم).
انتهى وقد حذفت منه شيئًا يسيرًا.
قلت: ولكن ليست الفتوى بالمعنى المعروف هي وحدها التي ينبغي أن يتأنى ويحذر المسلم فيها ويتقي ربه عند إرادة الإقدام عليها؛ بل كل مسألة علمية دينية فإن الكلام فيها خطير وعظيم، فالكلام في معنى آية قرآنية والحكم على حديث نبوي وتأصيل قاعدة فقهية واستنباط حكم شرعي من نص قرآني أو حديثي؛ كل ذلك عظيم شديد، وكل ذلك كان مما يهابه السلف ويأبون الدخول فيه أو المسارعة إليه، إلا ما كان الحق فيه واضحًا بينًا.
هذا وإن من أول العلوم التي استسهلها أهل هذا العصر أو أكثرهم وتسرعوا في الكلام على أخطر مسائلها والخوض في أهم أحكامها؛ هو علم الحديث وبيان أحوال الحاديث تصحيحًا وتعليلًا ورواتها تجريحًا وتعديلًا؛ مع أن المعروف الذي بينه أهل العلم أن من أصعب وأخطر أنواع الكلام في العلم الكلام في نقد الأخبار ورواتها، ولهذا قلَّ الأئمة في هذا الفن، وإن كثر طلابه والراغبون فيه والمشاركون لأهله، في كل عصر ومكان؛ فانظر مثلًا في كتب طبقات الفقهاء أو المفسرين أو النحاة أو الرواة، وقارن من تجدهم من حيث العدد بمن تعلمهم من علماء الجرح والتعديل ونقد الأحاديث يظهر لك صواب ما قلته جليًا؛ وما ذاك إلا لصعوبة هذا الفن وعجز أكثر الطلاب عنه.
وهذا الأمر لا بد أن يتيقنه كل من أراد أن يقدم على الاشتغال بعلم الحديث أو المشاركة فيه، فبمعرفة صعوبة علم نقد الأحاديث ورواتها تُعرف خطورة ما يقوم به من ينتقد أصحاب ذلك العلم ويبين مسالكهم فيه؛ ومن علم عظمة هذا الفن وشدة خطره فإنه حينئذ لن يتسرع في حكمٍ على راو أو حديث، ولن يستعجل نقد ناقد أو يستسهل مخالفة إمام أو تخطئته، بل يكون شأنه في ذلك التروي والتريث وحاله فيه التأني والتثبت.
وإليك بعض كلام أهل العلم في ذلك:
قال ابن دقيق العيد في (الاقتراح) (ص344) : (أعراض المسلمين حفرة من حفر النار وقف على شفيرها طائفتان من الناس المحدثون والحكام) .
وقال الذهبي في (الميزان) (3/45) : (والكلام في الرجال لا يجوز إلا لتام المعرفة تام الورع) .
وقال ابن حجر في (نزهة النظر) (ص113) : (ليحذر المتكلم في هذا الفن من التساهل في الجرح والتعديل، فإنه عن عدّل بغير تثبت كان كالمثبت حكمًا ليس بثابت فيخشى عليه أن يدخل في زمرة من روى حديثًا وهو يظن أنه كذب؛ وإن جرّح بغير تحرز أقدم على الطعن في مسلم بريء من ذلك ووسمه بميسم سوء يبقى عليه عاره أبدًا) .
وقال المعلمي في مقدمته لكتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (صفحة ب - صفحة ج) : (ليس نقد الرواة بالأمر الهين فإن الناقد لا بد أن يكون واسع الاطلاع على الأخبار المروية، عارفًا بأحوال الرواة السابقين وطرق الرواية، خبيرًا بعوائد الرواة ومقاصدهم وأغراضهم، وبالأسباب الداعية إلى التساهل والكذب والموقعة في الخطأ والغلط، ثم يحتاج إلى أن يعرف أحوال الراوي متى ولد؟ وبأي بلد؟ وكيف هو في الدين والأمانة والعقل والمروءة والتحفظ؟ ومتى شرع في الطلب؟ ومتى سمع؟ وكيف سمع؟ ومع من سمع وكيف كتابه؟؛ ثم يعرف أحوال الشيوخ الذين يحدث عنهم وبلدانهم ووفياتهم وأوقات تحديثهم وعادتهم في التحديث، ثم يعرف مرويات الناس عنهم، ويعرض عليها مرويات هذا الراوي ويعتبرها بها، إلى غير ذلك مما يطول شرحه، ويكون مع ذلك متيقظًا، مرهف الفهم، دقيق الفطنة مالكًا لنفسه، لا يستميله الهوى ولا يستفزه الغضب، ولا يستخفه بادر ظن حتى يستوفي النظر ويبلغ المقر، ثم يحسن التطبيق في حكمه فلا يجاوز ولا يقصر. وهذه المرتبة بعيدة المرام عزيزة المنال لم يبلغها إلا الأفذاذ. وقد كان من أكابر المحدثين وأجلتهم من يتكلم في الرواة فلا يعول عليه ولا يلتفت إليه. قال الإمام علي بن المديني وهو من أئمة هذا الشان:(أبو نعيم وعفان صدوقان لا أقبل كلامهما في الرجال، هؤلاء لا يدعون أحدًا إلا وقعوا فيه) . وأبو نعيم وعفان من الأجلة، والكلمة المذكورة تدل على كثرة كلامهما في الرجال، ومع ذلك لا تكاد تجد في كتب الفن نقل شيء من كلامهما).
انتهى كلام المعلمي؛ ولقد سبقه إلى مقصد هذا الكلام في الجملة الأئمة، كالذهبي، فقد قال في ترجمة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في (تذكرة الحفاظ) (1/3-4) ، وهي أول تراجم الكتاب:
(إن الكذب أس النفاق وآية المنافق، والمؤمن يطبع على المعاصي والذنوب الشهوانية ، لا على الخيانة والكذب، فما الظن بالكذب على الصادق الأمين صلوات الله عليه وسلامه، وهو القائل: إن كذبًا عليّ ليس ككذب على غيري ، من يكذب عليَّ بني له بيت في النار، ومن قال عليَّ ما لم أقل، الحديث. فهذا وعيد لمن نقل عن نبيه [صلى الله عليه وسلم] ما لم يقله مع غلبة الظن أنه ما قاله، فكيف حال من تهجم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعمد عليه الكذب، وقوَّله ما لم يقل؛ وقد قال عليه السلام: من روى عني حديثًا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين. فإنا لله، وإنا إليه راجعون، ما ذي إلا بلية عظيمة وخطر شديد ممن يروي الأباطيل والأحاديث الساقطة المتهم نقلتها بالكذب. فحق على المحدث أن يتورع فيما يؤديه، وأن يسأل أهل المعرفة والورع ليعينوه على إيضاح مروياته. ولا سبيل إلى أن يصير العارف الذي يزكي نقلة الأخبار ويجرحهم جهبذًا إلا بإدمان الطلب، والفحص عن هذا الشأن، وكثرة المذاكرة والسهر، والتيقظ والفهم، مع التقوى والدين المتين والإنصاف، والتردد إلى مجالس العلماء، والتحري والإتقان؛ وإلا تفعل:
فدع عنك الكتابة لست منها ولو سودت وجهك بالمداد
قال الله تعالى، عز وجل: (فاسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) . فإن آنست يا هذا من نفسك فهمًا وصدقًا ودينًا وورعًا، وإلا فلا تتعنَّ؛ وإن غلب عليك الهوى والعصبية لرأي ولمذهب، فبالله لا تتعب؛ وإن عرفت أنك مخلط مخبط مهمل لحدود الله، فأرحنا منك، فبعد قليل ينكشف البهرج وينكب الزغل، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله. فقد نصحتك، فعلم الحديث صلف، فأين علم الحديث؟ وأين أهله؟ كدت أن لا أراهم إلا في كتاب أو تحت تراب). انتهى كلام الذهبي.
وللأديب النقادة أبي القاسم الحسن بن بشر الآمدي البصري المتوفى في عام (370هـ) في كتابه (الموازنة بين الطائيين أبي تمام والبحتري) (ص372-375) كلام نفيس قيم ماتع في بيان شروط طلبة النقد الأدبي ونحوها، ومعظم ذلك الكلام يصلح أن يمشي على ضوئه أو ينتفع به كل طالب علم في هذه الأعصر، بل ما أليق معاني كلامه ذاك بمن أراد أن يشارك في علم الحديث ويدخل فيه؛ وسأنقل لك أواخره ولولا تجنب الإطالة لنقلته كله؛ قال:
(ثم إني أقول بعد ذلك: لعلك - أكرمك الله - اغتررتَ بأن شارفتَ شيئًا من تقسيمات المنطق، وجُملًا من الكلام والجدال، أو علمْتَ أبوابًا من الحلال والحرام، أو حفظتَ صَدْرًا من اللغة، أو اطلعتَ على بعض مقاييس العربية؛ وأنك لما أخذتَ بطَرَف نوع من هذه الأنواع معاناةً ومزاولةً ومتَّصِلَ عنايةٍ
فتوحدتَ فيه ومُيِّزتَ: ظننتَ أن كل ما لم تلابسه من العلوم ولم تزاوله يجري ذلك المجرى، وأنك متى تعرضتَ له وأمررتَ قَريحتكَ عليه نفذَتْ فيه، وكشفتْ لك عن معانيه؛ وهيهات! لقد ظننتَ باطلًا ورمتَ عسيرًا، لأن العلم - أيَّ نوعٍ كان - لا يدركه طالبه إلا بالانقطاع إليه والإكباب عليه والجد فيه والحرص على معرفة أسراره وغوامضه؛ ثم قد يتأتى جنس من العلوم لطالبه ويتسهل عليه، ويمتنع عليه جنس آخر ويتعذر؛ لأن كل امرئ إنما يتيسر له ما في طبعه قبولُه، وما في طاقته تعلُّمُه؛ فينبغي - أصلحك الله - أن تقفَ حيث وُقفَ بك، وتقنعَ بما قُسِمَ لك، ولا تتعدى إلى ما ليس من شأنك ولا من صناعتك). ا.هـ.
وقال الخطيب في (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) (2/173) : (فمن صفات الحافظ الذي يجوز إطلاق هذا اللفظ في تسميته: أن يكون عارفًا بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بصيرًا، مميزًا لأسانيدها، يحفظ منها ما أجمع أهل المعرفة على صحته، وما اختلفوا فيه، للاجتهاد في حال نقلته---) إلى أن قال: (ويكون قد أنعم النظر في حال الرواة بمعاناة علم الحديث دون ما سواه، لأنه علم لا يعلق إلا بمن وقف نفسه عليه ولم يضم غيره من العلوم إليه) .
ثم روى الخطيب عن الشافعي أنه مر بيوسف بن عمرو بن يزيد، وهو يذكر شيئًا من الحديث، فقال: يا يوسف، تريد أن تحفظ الحديث وتحفظ الفقه؟! هيهات!.