فهرس الكتاب
قال عبد الرحمن بن زيد: قال ابن المنكدرِ لأبي حازمٍ: يا أبا حازمٍ: ما أكثرَ مَن يلقاني فيدعو لي بالخيرِ، ما أعرفُهم وما صنعتُ إليهم خيرًا قطّ! قالَ له أبو حازم: لا تظنَّ أنَّ ذلكَ مِنْ عَملِكَ، ولكن انظرْ الذي ذلك مِن قِبَلِهِ (1) فاشكرْه؛ وقرأَ ابنُ زيدٍ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) (2) . (3/233 والشكر ص38)
قال إبراهيم بن أدهم: بلغني أن عمر بن عبد العزيز قال لخالد بن صفوان: عظني وأوجز، فقال خالد: يا أمير المؤمنين إن أقوامًا غرَّهم سترُ الله عز وجل، وفتنَهم حسنُ الثناء، فلا يغلبنَّ جهلُ غيرِك بك علمَك بنفسك، أعاذنا الله وإياك أن نكون بالستر مغرورين، وبثناء الناس مسرورين، وعن ما افترض الله متخلفين مقصّرين، وإلى الأهواء مائلين؛ قال: فبكى ثم قال: أعاذنا الله وإياك من اتباع الهوى. (الزهد الكبير ص187 والحلية 8/18)
قال رجل لمعاوية بن قرة: إني لأحبُّكَ، فقالَ: لِمَ لا تحبُّني ولستُ لك بجار ولا قرابة؟! (2/300)
كان ابنُ محيريزٍ إذا مُدحَ قالَ: وما يُدريكَ؟! وما علمك؟! (5/140)
كان يزيد بن ميسرة يقول: إذا زكّاكَ رجلٌ في وجهِكَ فأَنْكِرْ عليهِ واغضبْ ولا تُقِرَّ بذلكَ، وقلْ: اللهمَّ لا تؤاخذْني بما يقولونَ، واغفرْ لي ما لا يعلمون. (5/240)
قال الحسن: كم من مستدرَج بالاحسان إليه، وكم من مفتون بالثناء عليه، وكم من مغرور بالستر عليه (3)
(1) وهو الله تبارك وتعالى.
(2) مريم (96) .
(3) قال الفريابي: حدثنا محمد بن الحسن البلخي أخبرنا عبد الله بن المبارك حدثنا سفيان الثوري قال: كان يقال: إذا عرفت نفسك لم يضرك ما قيل فيك. (صفة المنافق ص76)
وأختم هذا االفصل بهذه الفائدة الجليلة التي سطرها ابن القيم في كتاب (الفوائد) (ص149) :
(لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار والضب والحوت، فإذا حدثتك نفسك بطلب الإخلاص فأقْبِل على الطمع أولًا فاذبحه بسكين اليأس وأقبل على المدح والثناء فازهد فيهما زهد عشاق الدنيا في الآخرة؛ فإذا استقام لك ذبح الطمع والزهد في الثناء والمدح سهل عليك الإخلاص؛ فإن قلت: وما الذي يسهل علي ذبحَ الطمع والزهدَ في الثناء والمدحِ؟! قلت: أما ذبح الطمع فيسهله عليك علمك يقينًا أنه ليس من شيء يطمع فيه إلا وبيد الله وحده خزائنه، لا يملكها غيره ولا يؤتي العبدَ منها شيئًا سواه؛ وأما الزهد في الثناء والمدح فيسهله عليك علمك أنه ليس أحدٌ ينفع مدحُه ويزين ويضر ذمُّه ويشينُ إلا الله وحده، كما قال ذلك الأعرابي للنبي صلى الله عليه وسلم: إن مدحي زين وذمي شين فقال:"ذلك الله عز وجل". فازهد في مدح من لا يزينك مدحه وفي ذم من لا يشنيك ذمه، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل الشين في ذمه؛ ولن تقدر على ذلك الا بالصبر واليقين، فمتى فقدت الصبر واليقين كنت كمن أراد السفر في البحر في غير مركب، قال تعالى:(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) [الروم 60] ؛ وقال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة 24] .