قال عبد الله بن عوف القاري: لقد رأيتنا برودس وما في الجيش أحد أكثر صلاة من ابن محيريز في العلانية، ثم أقصر عن ذلك حين شهر وعرف. (صف4/207)
قال قتادة: لم يخز أحد يومئذ فيخفى خزيه على أحد (1)
(1) وهذه جملة آثار عن غير التابعين نقلتها من (لتواضع والخمول) لابن أبي الدنيا:
عن أحمد بن إبراهيم حدثني سلمة بن عقار أو غيره قال: لما قدم ابن المبارك المصيصة سأل عن محمد بن يوسف الأصبهاني؛ فقال: مِن فضلك لا تعرفُ. (ص113)
وعن أحمد بن سهل الأردني حدثني سلم وكان فاضلًا قال: قال لي إبراهيم بن أدهم: ما فزت في الدنيا قط إلا مرة بت ليلة في بعض مساجد قرى الشام وكان فيَّ البطن فجر المؤذن رجلي حتى أخرجني من المسجد. (ص115)
وعن خلف البرزاني قال: سمعت سفيان الثوري يقول: أقلَّ معروفَ الناس يقل عيبك. (ص115)
عن شيخ من أحنف قال: سمعت عليًا يقول: تبذَّل لا تُشهر ولا ترفع شخصك لتذكر وتُعلم، وأكثر الصمت تسلم، تسر الأبرار وتغيظ الفجار. (ص118)
وعن سعيد بن عبد الغفار قال: كنت أنا ومحمد بن يوسف الأصبهاني فجاء كتاب محمد بن العلاء بن المسيب من البصرة إلى محمد بن يوسف فقرأه فقال لي محمد بن يوسف: ألا ترى إلى ما كتب به محمد بن العلاء وإذا فيه: يا أخي من أحب الله أحب [أن] لا يعرفه الناس. (ص119)
وعن سفيان بن عيينة قال: قال لي بشر بن منصور: أقل من معرفة الناس فإنه أقل لفضيحتك في القيامة. (ص119)
وعن إسحاق بن إبراهيم حدثنا سفيان [بن عيينة] قال: رأيت الثوري في النوم فقلت له: أوصني فقال: أقل من معرفة الناس. (ص120)
وعن جرير عن مغيرة قال: قال سماك بن سلمة: يا قلب إياك وكثرة الأخلاء. (ص120)
وعن شيخ من النخع عن أشياخ له من أصحاب عبد الله بن مسعود: كفى به دليلًا على امتحان دين الرجل كثرة صديقه. (ص120)
وعن قبيصة قال: سمعت سفيان [هو الثوري] يقول: كثرة الإخوان من سخافة الدين. (ص120)
وعن سالم بن ميمون قال: سمعت عثمان بن زائدة يقول: كان يقال: إذا رأيت الرجل كثير الأخلاء فاعلم أنه مخلط. (ص121)
وعن الحسن بن رشيد قال: سمعت الثوري يقول: يا حسن لا تَعَرَّفَنَّ إلى من لا يعرفك وأنكر معرفة من يعرفك. (ص121)
عن الحسن قال: خرج ابن مسعود ذات يوم من منزله فاتبعه الناس فالتفت إليهم فقال: علام تتبعوني؟! والله لو تعلمون ما أغلق عليه بابي ما اتبعني منكم رجلان. (ص124)
عن محمد بن يزيد بن خُنيس قال: قال رجل: مررت ذات يوم بفضيل بن عياض وهو خلف سارية وحده وكان لي صديقًا فجئته فسلمت عليه وجلست إليه، فقال: يا أخي ما أجلسك إلي؟! فقلت: وجدتك وحدك فاغتنمت وحدتك، فقال: أما إنك لو لم تجلس إلي لكان خيرًا لك وخيرًا لي، فاختر إما أن أقوم عنك فهو والله خير لك وخير لي، وإما أن تقوم عني، فقلت: بل أنا أقوم عنك فأوصني بوصية ينفعني الله عز وجل بها، قال: يا عبد الله أَخْفِ مكانك واحفظ لسانك واستغفر الله عز وجل لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات كما أمرك. (ص129)
قال رجل لبشر بن الحارث: أوصني، قال: أخمل ذكرك وطيب مطعمك. (ص129-130)
عن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: كان حوشب [بن عقيل] يبكي ويقول: بلغ اسمي مسجد الجامع. (ص130)
قال ابن أبي الدنيا: بلغني عن عبيد بن جناد عن عطاء بن مسلم أحسبه قال: كنت وأبو إسحاق ذات ليلة عند سفيان وهو مضطجع فرفع رأسه إلي أبي إسحاق فقال: إياك والشهرة. (ص130)
قال أبو مُسْهِر: [ما] بينك وبين أن تكون من الهالكين إلا أن تكون من المعروفين. (ص130)
قال ابن أبي الدنيا: حدثني الحسن بن عبد الرحمن قال: قال بشر بن الحارث: لا أعلم رجلًا أحب أن يعرف إلا ذهب دينه وافتضح؛ قال: وقال بشر بن الحارث: لا يجد حلاوة الآخرة رجل يحب أن يعرفه الناس. (ص130)
عن عبد الله بن مرزوق قال: استشرت سفيان الثوري فقلت: أين تراني أنزل؟ قال: بمر الظهران حيث لا يعرفك إنسان. (ص131)
انتهى ما أردت نقله هنا من كتاب (التواضع والخمول) لابن أبي الدنيا.
وقال ابن الجوزي في (منهاج القاصدين) كما في (مختصر منهاج القاصدين) لابن قدامة (ص478) وهو في صدد بيان مجارى الفكر وثمراته:
(واعلم أن الفكر قد يجرى في أمر يتعلق بالدين، وقد يجرى في أمر يتعلق بغيره، وإنما عرضنا ما يتعلق بالدين، وشرح ذلك يطول؛ فلينظر الإنسان في أربعة أنواع: الطاعات، والمعاصي، والصفات المهلكات، والصفات المنجيات، فلا تغفل عن نفسك، ولا عن صفاتك المباعدة عن الله، والمقربة إليه .
وينبغى لكل مريد أن تكون له جريدة يثبت فيها جملة الصفات المهلكات، وجملة الصفات المنجيات، وجملة المعاصي والطاعات، ويعرض ذلك على نفسه كل يوم .
ويكفيه من المهلكات النظر في عشرة، فإنه إن سلم منها سلم من غيرها، وهى:
البخل، والكبر، والعجب، والرياء، والحسد، وشدة الغضب، وشره الطعام، وشره الوقاع، وحب المال، وحب الجاه .
ومن المنجيات عشرة: الندم على الذنوب، والصبر على البلاء، والرضا بالقضاء، والشكر على النعماء، واعتدال الخوف والرجاء، والزهد في الدنيا، والإخلاص في الأعمال، وحسن الخلق مع الخلق، وحب الله تعالى، والخشوع .
فهذه عشرون خصلة: عشرة مذمومة، وعشرة محمودة، فمتى كفى من المذمومات واحدة خط عليها في جريدته، وترك الفكر فيها، وشكر الله تعالى على كفايته إياها .
وليعلم أن ذلك لم يتم إلا بتوفيق الله تعالى وعونه، ثم يقبل على التسعة الباقية، وهكذا يفعل حتى يخط على الجميع .
وكذلك يطالب نفسه بالاتصاف بالصفات المنجيات، فإذا اتصف بواحدة منها، كالتوبة والندم مثلًا، خط عليها واشتغل بالباقي، وهذا يحتاج إليه المريد المشمر .
فأما أكثر الناس من المعدودين في الصالحين، فينبغي أن يثبتوا في جرائدهم المعاصي الظاهرة، كأكل الشبهات، وإطلاق اللسان بالغيبة والنميمة، والمراء، والثناء على النفس، والإفراط في موالاة الأولياء، ومعاداة الأعداء، والمداهنة في ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ فإن أكثر من يعد نفسه من جوه الصالحين لا ينفك عن جملة من هذه المعاصي في جوارحه.
ومالم تطهر الجوارح من الآثام، لا يمكن الاشتغال بعمارة القلب وتظهيره .
وكل فريق من الناس يغلب عليهم نوع من هذه الأمور، فينبغي أن يكون تفقدهم لها وتفكيرهم فيها .
مثاله: العالم الورع؛ فإنه لا يخلو في غالب الأمر من إظهار نفسه بالعلم، وطلب الشهرة، وانتشار الصيت، إما بالتدريس، أو بالوعظ .؛ ومن فعل ذلك، فقد تصدى لفتنة عظيمة لا ينجو منها إلا الصديقون ؛ وربما ينتهي العلم بأهل العلم إلى أن يتغايروا كما تتغاير النساء، وكل ذلك من رسوخ الصفات المهلكات في سر القلب التي يظن العالم النجاة منها، وهو مغرور فيها .
ومن أحسَّ من نفسه هذه الصفات، فالواجب عليه الانفراد والعزلة، وطلب الخمول والمدافعة للفتاوى، فقد كان الصحابة يتدافعون الفتاوى، وكل منهم يود لو أن أخاه كفاه ؛ وعند هذا ينبغي أن يتقي شياطين الإنس، فإنهم قد يقولون: هذا سبب لاندراس العلم، فليقل لهم: دين الإسلام مستغنٍ عنّي، ولو مت لم ينهدم الإسلام، وأنا غير مستغن عن إصلاح قلبي، فليكن فكر العالم في التفطن لخفايا هذه الصفات من قلبه، نسأل الله أن يصلح فساد قلوبنا وأن يوفقنا لما يرضيه عنا ).