فهرس الكتاب
بيان ما يحمد من حب الجاه وما يذم
مهما عرفت أنّ معنى الجاه ملكُ القلوبِ والقدرةُ عليها فحكمهُ حكم ملك الأموال فإنه عرض من أعراض الحياة الدنيا، وينقطع بالموت كالمال، والدنيا مزرعة الآخرة، فكل ما خُلق في الدنيا فيمكن أن يتزوّد منه للآخرة، وكما أنه لا بد من أدنى مال لضرورة المطعم والمشرب والملبس، فلا بدّ من أدنى جاهٍ لضرورة المعيشة مع الخلق، والإِنسان كما لا يستغني عن طعام يتناوله فيجوز أن يحب الطعام أو المال الذي يبتاع به الطعام، فكذلك لا يخلو عن الحاجة إلى خادم يخدمه، ورفيق يعينه، وأستاذ يرشده، وسلطان يحرسه ويدفع عنه ظلم الأشرار، فحبه لأنْ يكونَ له في قلب خادمه من المحل ما يدعوه إلى الخدمة ليس بمذموم، وحبه لأن يكون له في قلب رفيقه من المحل ما يحسن به مرافقته ومعاونته ليس بمذموم، وحبه لأن يكون له في قلب أستاذه من المحل ما يحسن به إرشاده وتعليمه والعناية به ليس بمذموم، وحبه لأن يكون له من المحل في قلب سلطانه ما يحث ذلك على دفع الشر عنه ليس بمذموم، فإن الجاه وسيلة إلى الأغراض كالمال، فلا فرق بينهما إلا أنّ التحقيق في هذا يفضي إلى أن لا يكون المال والجاه بأعيانهما محبوبين له.
بيان علاج حب الجاه
اعلم أن من غلب على قلبه حب الجاه صار مقصور الهم على مراعاة الخلق مشغوفًا بالتودد إليهم والمراءاة لأجلهم، ولا يزال في أقواله وأفعاله ملتفتًا إلى ما يعظم منزلته عندهم وذلك بذر النفاق وأصلُ الفساد، ويجر ذلك لا محالة إلى التساهل في العبادات والمراءاة بها وإلى اقتحام المحظورات للتوصل إلى اقتناص القلوب، ولذلك شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم حب الشرف والمال وإفسادهما للدين بذئبين ضاريين، وحب الجاه ينبت النفاق كما ينبت الماء البقل إذ النفاق هو مخالفة الظاهر للباطن بالقول أو بالفعل، وكل من طلب المنزلة في قلوب الناس فيضطر إلى النفاق معهم وإلى التظاهر بخصال حميدة هو خال عنها، وذلك هو عين النفاق.