فهرس الكتاب
(الثالث) حضور القلب وترك حديث النفس: قيل في تفسير: {يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} [مريم: 12] أي بجد واجتهاد، وأخذه بالجد أن يكون متجردًا له عند قراءته منصرف الهمة إليه عن غيره، وقيل لبعضهم: إذا قرأت القرآن تحدّثُ نفسك بشيء؟ فقال: أو شيء أحب إليَّ من القرآن حتى أحدِّثَ به نفسي! وكان بعض السلف إذا قرأ آية لم يكن قلبه فيها أعادها ثانية وهذه الصفة تتولد عما قبلها من التعظيم فإن المعظم للكلام الذي يتلوه يستبشر به ويستأنس ولا يغفل عنه.
(الرابع) التدبر: وهو وراء حضور القلب فإنه قد لا يتفكر في غير القرآن ولكنه يقتصر على سماع القرآن من نفسه وهو لا يتدبره. والمقصود من القراءة التدبر. ولذلك سن الترتيل فيه، لأن الترتيل في الظاهر يساعد على التدبر بالباطن. قال علي رضي الله عنه: لا خيرَ في عبادة لا فقه فيها ولا في قراءة لا تدبر فيها. وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بترديد فليردد إلا أن يكون خلف إمام.
(الخامس) التفهم: وهو أن يستوضح من كل آية ما يليق بها، إذ القرآن يشتمل على ذكر صفات الله عز وجل. وذكر أحوال الأنبياء عليهم السلام. وذكر أحوال المكذبين لهم وأنهم كيف أهلكوا. وذكر أوامره وزواجره، وذكر الجنة والنار.
(السادس) التخلي عن موانع الفهم فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب وحُجُبٍ أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن وحجب الفهم أربعة، أولها: أن يكون الفهم منصرفا إلى تحقيق الحروف بإخراجها، فهذا يكون تأمله مقصورا على مخارج الحروف فأنى تنكشف له المعاني؟ ثانيها: أن يكون مقلدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصوله إليه ببصيرة ومشاهدة. فهذا شخص قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده فصار نظره موقوفا على مسموعه.