الصفحة 91 من 2673

وليس المقصود من ذكر أعداد العظام أن يُعرفَ عددها، فإن هذا علم قريب يعرفه الأطباء والمشرحون، إنما الغرض أن ينظر منها في مُدَبِّرها وخَالِقها أنه كيفَ قدَّرها ودبرها وخالف بين أشكالها وأقدارها، وخصصها بهذا العدد المخصوص لأنه لو زاد عليها واحدًا لكان وبالًا على الإِنسان يحتاج إلى قلعه، ولو نقص منها واحدًا لكان نقصانًا يحتاج إلى جبره، فالطبيب ينظر فيها ليعرف وجه العلاج في جبرها وأهل البصائر ينظرون فيها ليستدلوا بها على جلالة خالقها ومصورها، فشتان بين النظرين.

ثم انظر كيف خلق الله تعالى آلاتٍ لتحريك العظام وهي العضلات فخلق في بدن الإِنسان خمسمائة عضلة وتسعًا وعشرين عضلة - والعضلة مركبة من لحم وعصب ورباط وأغشية - وهي مختلفة المقادير والأشكال بحسب اختلاف مواضعها وقدر حاجاتها.

فارجع الآن إلى النطفة وتأمل حالها أولًا وما صارت إليه ثانيًا، وتأمل أنه لو اجتمع الجن والإِنس على أن يخلقوا للنطفة سمعًا أو بصرًا أو عقلًا أو قدرة أو علمًا أو روحًا أو يخلقوا فيها عظمًا أو عرقًا أو عصبًا أو جلدًا أو شعرًا هل يقدرون على ذلك؟

وأنت ترى النطفة القذرة خلقها خالقها في الأصلاب والترائب، ثم أخرجها منها وشكّلها فأحسن تشكيلها وقدّرها فأحسن تقديرها وتصويرها. وقسّم أجزاءها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة فأحكم العظام في أرجائها وحسن أشكال أعضائها وزيّن ظاهرها وباطنها ورتّب عروقها وأعصابها وجعلها مجرى لغذائها ليكون ذلك سبب بقائها، وجعلها سميعة بصيرة عالمة ناطقة وخلق لها الظهر أساسًا لبدنها والبطن حاويًا لآلات غذائها والرأس جامعًا لحواسها، ففتح العين ورتّب طبقاتها وأحسن شكلها ولونها وهيئاتها، ثم حماها بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع الأقذاء عنها، ثم أظهر في مقدار عدسة منها صورة السماوات مع اتساع أكنافها وتباعد أقطارها فهو ينظر إليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت