الصفحة 92 من 2673

ثم شقّ أذنيه وأودعهما ماء مراّ ليحفظ سمعها ويدفع الهوام عنها وحوّطها بصدفة الأذن لتجمع الصوت فتردّه إلى صماخها ولتحسّ بدبيب الهوّام إليها، وجعل فيها تحريفات واعوجاجات لتكثر حركة ما يدب فيها ويطول طريقه فيتنبه من النوم صاحبها إذا قصده دابة في حال النوم. ثم رفع الأنف من وسط الوجه وأحسن شكله، وفتح منخريه وأودع فيه حاسة الشم ليستدل باستنشاق الروائح على مطاعمه وأغذيته، وليستنشق بمنفذ المنخرين روح الهواء غذاءً لقلبه وترويحًا لحرارة باطنه.

وفتح الفم وأودعه اللسان ناطقًا وترجمانًا ومعربًا عما في القلب، وزين الفم بالأسنان لتكون آلة الطحن والكسر والقطع فأحكم أصولها وحدّد رؤوسها وبيّض لونها، ورتّب صفوفها متساوية الرؤوس متناسقة الترتيب كأنها الدر المنظوم، وخلق الشفتين وحسَّن لونها وشكلها لتنطبق على الفم فتسدّ منفذه وليتم بها حروف الكلام. وخلق الحنجرة وهيأها لخروج الصوت. وخلق للسان قدرة للحركات والتقطيعات ليقع الصوت في مخارج مختلفة تختلف بها الحروف ليتسع بها طريق النطق بكثرتها.

ثم خلق الحناجر مختلفة الأشكال في الضيق والسعة والخشونة والملاسة وصلابة الجوهر ورخاوته والطول والقصر، حتى اختلفت بسببها الأصوات، فلا يتشابه صوتان، بل يظهر بين كل صوتين فرق حتى يميز السامع بعض الناس عن بعض بمجرد الصوت في الظلمة. ثم زين الرأس بالشعر والأصداغ. وزين الوجه باللحية والحاجبين، وزين الحاجب برقة الشعر واستقواس الشكل. وزين العينين بالأهداب.

ثم خلق الأعضاء الباطنة وسخّر كل واحد لفعل مخصوص.

فسخر المعدة والكبد والطحال والمرارة والكلية، وجعل لكل وظائفه ثم خلق اليدين وطولهما لتمتدا إلى المقاصد، وعرَّض الكفّ، وقسم الأصابع الخمس، وقسم كل اصبع بثلاث أنامل، ووضع الأربعة في جانب والإِبهام في جانب لتدور الإِبهام على الجميع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت