فهرس الكتاب
ثم أنظر مع كمال قدرته إلى تمام رحمته فإنه لما ضاق الرحم عن الصبي لما كبر كيف هداه السبيل حتى تنكس وتحرّك، وخرج من ذلك المضيق وطلب المنفذ كأنه عاقل بصير بما يحتاج إليه.
ثم لما خرج واحتاج إلى الغذاء كيف هداه إلى التقام الثدي؟ ثم لما كان بدنه سخيفًا لا يحتمل الأغذية الكثيفة كيف دبر له في خلق اللبن اللطيف واستخرجه من بين الفرث والدم سائغًا خالصًا، وكيف خلق الثديين وجمع فيهما اللبن، وأنبت منهما حلمتين على قدر ما ينطبق عليهما فم الصبي، ثم فتح في حلمة الثدي ثقبًا ضيقًا جدًا حتى لا يخرج اللبن منه إلا بعد المص تدريجًا، فإن الطفل لا يطيق منه إلا القليل، ثم كيف هداه للامتصاص حتى يستخرج من ذلك المضيق اللبن الكثير عند شدة الجوع؟
ثم انظر إلى عطفه ورحمته ورأفته كيف أخَّر خلقَ الأسنانِ إلى تمام الحولين لأنه في الحولين لا يتغذى إلا باللبن فيستغني عن السن.
ثم انظر كيف رزقه القدرة والتمييز والعقل والهداية تدريجًا حتى بلغ وتكامل، فصار مراهقًا ثم شابًا ثم كهلًا ثم شيخًا، إما كفورًا أو شكورًا مطيعًا أو عاصيًا مؤمنًا أو كافرًا تصديقًا لقوله تعالى: {هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا * إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 1-3] فانظر إلى اللطف والكرم ثم إلى القدرة والحكمة تبهرك عجائب الحضرة الربانية.
والعجب كل العجب ممن يرى خطًا حسنًا أو نقشًا حسنًا على حائط فيستحسنه، فيصرف جميع همه إلى التفكر في النقاش والخطاط وأنه كيف نقشه وخطّه وكيف اقتدر عليه! ولا يزال يستعظمه في نفسه ويقول: ما أحذقه وما أكمل صنعته وأحسن قدرته! ثم ينظر إلى هذه العجائب في نفسه وفي غيره ثم يغفل عن صانعه ومصوره فلا تدهشه عظمته ولا يحيره جلاله وحكمته؟.