الصفحة 94 من 2673

فهذه نبذة من عجائب بدنك التي لا يمكن استقصاؤها، فهو أقرب مجال لفكرك وأجلى شاهد على عظمة خالقك وأنت غافل عن ذلك، ولا تعرف من نفسك إلا أن تجوع فتأكل وتشبع فتنام، وتشتهي فتجامع، وتغضب فتقاتل. والبهائم كلها تشاركك في معرفة ذلك، وإنما خاصية الإِنسان معرفة الله تعالى بالنظر في ملكوت السماوات والأرض وعجائب الآفاق والأنفس، إذ بها يدخل العبد في زمرة الملائكة المقربين ويحشر في زمرة النبيين والصدّيقين مقرَّبًا من حضرة رب العالمين.

الفصل الثامن

في ذكر الموت وقصر الأمل

إن مما يبطر النفس ويدفعها إلى الصراعات المشؤومة والشهوات المذمومة طول أملها، ونسيانها للموت، ولذلك كان مما تعالج به النفس تذكر الموت الذي هو أثر القهر الإِلهي، وقصر الأمل الذي هو أثر عن تذكر الموت، وبقدر ما يقصر الأمل ويتذكر الإِنسان الموت يكون عكوفه على القيام بحقوق الله أكثر، ويكون الإِخلاص في عمله أتم، ولا يظنن ظان أن قصر الأمل يحول دون إعمار الدنيا، فالأمر ليس كذلك بل عمارة الدنيا مع قصر الأمل تكون أقرب إلى العبادة، إن لم تكن عبادة خالصة، ففارق بين مَنْ يعمل بالسياسة قيامًا بحق الله، وبين من يعمل فيها من أجل شهوة نفسه.

إن قصر الأمل وتذكر الموت ينقلان الإِنسان من الطور الثاني إلى الطور الأول، ومن ههنا وغيره يأخذ تذكر الموت وقصر الأمل أهميتها كوسيلتين من وسائل تزكية النفس، وهاك بعض كلام الغزالي في هذا وذاك.

قال الإمام الغزالي رحمه الله:

ذكر الموت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت