وكان لهذه المواقف العظيمة أكبر الأثر في رفع الروح المعنوية للمسلمين الذين ثبتوا وقاتلوا ببسالة [1] ، وقتلوا عددًا من المشركين ، وسقط عدد منهم شهداء ، وأخذ وحشي الذي وعده سيده بالعتق يبحث عن حمزة ، فرآه - كما رَوى فيما بعد - يَهدُّ الناس بسيفه ، وانتهز فرصة انشغاله بقتال أحد المشركين ورماه بحربة اخترقت أحشاءه ، واتجه إليه حمزة ليقتله ، لكن إصابته البليغة أثخنته ، فسقط شهيدًا .
أما النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان في طرف الجيش يراقب مطاردة المسلمين للمشركين ، وكان معه عدد قليل من الصحابة ، وفوجئوا بهجوم الفرسان [2] ، وهنا تجلت شجاعته - صلى الله عليه وسلم - وثباته ،فقد رفع صوته ينادى أصحابه ويقول: (( إليَّ يا فلان أنا رسول الله ) ) [3] .
وسمع بعض المشركين نداء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاتجهوا إليه ، ودارت حوله معركة طاحنة تفانى فيها الصحابة في الدفاع عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ روى النسائي بسنده عن جابر بن عبد الله قال: ( لما كان يوم أحد وولى الناس كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ناحية في اثني عشر رجلًا من الأنصار فيهم طلحة بن عبيد الله ، فأدركه المشركون ، فالتفت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: من للقوم ؟ فقال طلحة: أنا ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كما أنت ، فقال رجل من الأنصار: أنا يا رسول الله ، فقال: أنت ، فقاتل حتى قتل ، ثم التفت فإذا المشركون ، فقال: من للقوم ، فقال طلحة: أنا ، قال: كما أنت ، فقال رجل من الأنصار: أنا ، فقال: أنت ، فقاتل حتى قتل ، ثم لم يزل يقول ذلك ويخرج إليه رجل من الأنصار فيقاتل قتال من قبله حتى يقتل ، حتى بقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وطلحة بن عبيد الله ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:(( من للقوم ؟ ) )، فقال طلحة: أنا ، فقاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه [4] ، وغشيته الجراح ، ونزف منه الدم ) ، وبقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقاتلهم وحده . وكانت ساعة صعبة في حياة الرسول - صلى الله عليه وسلم - . لكن المدد الإلهي لا ينقطع
(1) فتح الباري7/362 .
(2) البخاري ، كتاب الجهاد والسير 4/80 . ومسلم ، كتاب الجهاد والسير ، باب غزوة أحد 3/1415 .
(3) المغازي للواقدي 1/237 . سبل الهدى والرشاد 4/194 .
(4) النسائي ، كتاب الجهاد ، باب مايقوله من يطعنه العدو 6/29 . وعند مسلم أنهم كانوا سبعة من الأنصار واثنين من المهاجرين . صحيح مسلم 3/1415 ، كتاب المغازي باب غزوة أحد .