الله اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - لأبي سفيان وأصحابه - وأعتذر إليك مما صنع هؤلاء - من انهزامهم - فسار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحوه ، فلما رأى جبهته بكى ، ولما رأى ما مُثِّل به شهق ثم قال: (( سيد الشهداء عند الله تعالى يوم القيامة حمزة ) ) [1] ، وقال: (( رحمة الله عليك قد كنت وصولًا للرحم فعولًا للخيرات ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك حتى تجيء من أفواه شتى ) )، ثم حلف: (( والله لأُمَثِّلَن بسبعين منهم مكانك ) )؛ فنزل القرآن بعدئذ: { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين } إلى آخر السورة ، فكفَّر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن يمينه ، وأمسك عما أراد [2] .
وتفقد النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابةُ بقيةَ الشهداء ، وكان من بينهم حنظلة بن أبي عامر وجدوه والماء يقطر منه ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما شأنه ؟ فسألوا امرأته فقالت: خرج وهو جنب حين سمع الهاتف ، فقال - صلى الله عليه وسلم -: لذلك غسلته الملائكة [3] ، فلقب بغسيل الملائكة .
ووجدوا بين الشهداء رجلًا من يهود بني ثعلبة ، يدعى مخيريق ، قد خرج يوم أحد وقال: يا معشر يهود ، والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق ، قالوا: إن اليوم يوم السبت ، قال: لا سبت لكم ، فأخذ سيفه وعدته وقال: إن أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء ، ثم لحق برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقاتل معه حتى قتل ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( مخيريق خير يهود ) ) [4] .
ووجدوا في الجرحى عمرو بن ثابت الأصيرم ، وبه رمق يسير ، وكانوا من قبل يعرضون عليه الإسلام فيأباه ، فقالوا: إن هذا الأصيرم ما جاء به ؟ لقد تركناه وإنه لمنكر لهذا الأمر ، ثم سألوه ما الذي جاء بك ؟ أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام ؟ فقال: بل رغبة في الإسلام ، آمنت بالله ورسوله ، ثم قاتلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أصابني ما ترون ، ومات من وقته ، فذكروه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: هو من أهل الجنة ، قال أبو هريرة: ولم يصل لله قط [5] .
ووجدوا في الجرحى رجلًا يقال له قزمان ، وكان ذا بأس ، وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا ذُكر له يقول: هو من أهل النار ، فلما كان يوم أحد قاتل قتالًا شديدًا وقتل وحده ثمانية من المشركين ، فأثبتته الجراحة ، فاحتملوه إلى دار بني ظفر ، وجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فأبشر ، قال بماذا أبشر ؟ فوالله إن قاتلت إلا عن أحساب قومي ولولا ذلك ما قاتلت ، فلما اشتدت عليه الجراح أخذ سهمًا من كنانته فقتل نفسه [6] .
ولما انتهى النبي - صلى الله عليه وسلم - من تفقد الشهداء أمر بنزع الجلود والحديد عنهم ، وكانوا سبعين شهيدًا ، على أشهر الأقوال ، منهم أربعة من المهاجرين ، وقيل: ستة ، والباقي من الأنصار [7] وأمر بدفنهم في مصارعهم وقال: (( أنا شهيد على هؤلاء ، كفنوهم بدمائهم فإنه ليس جريح يجرح في الله إلا جاء يوم القيامة يدمي ، لونه لون الدم وريحه ريح المسك ، قدموا أكثرهم قرآنًا فاجعلوه في اللحد ) ) [8] ، فكانوا يدفنون الاثنين والثلاثة في قبر واحد [9] ، وروى ابن إسحاق أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال حين أمر بدفن القتلى: (( انظروا عمرو بن الجموح وعبد الله بن حرام فإنهما كانا متصافيين في الدنيا فاجعلوهما في قبر واحد ) ) [10] فدفنا في قبر واحد وكفنا في نمرة واحدة .
ولما مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمصعب بن عمير وقف عليه ودعا له وقرأ: { من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه } [11] ، ثم قال: (( لقد رأيتك بمكة
(1) المستدرك 3/199 ، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه .
(2) طبقات ابن سعد 3/13 . والمستدرك 3/197 . وعيون الأثر 1/426 .
(3) المغازي للواقدي 1/274 . والمستدرك 3/204 . ودلائل النبوة لأبي نعيم 2/623 . وعيون الأثر 1/30 .
(4) ابن هشام 3/38 ، وطبقات ابن سعد 1/501 . والطبري 2/531 .
(5) سنن أبي داود ، كتاب الجهاد ، باب فيمن يسلم ويقتل مكانه في سبيل الله 3/43 . وعيون الأثر 1/423 .
(6) سيرة ابن هشام 3/85 والطبري 2/531 .وقريب منه عند الواقدي 1/224 .
(7) انظر اختلاف العلماء في عدد الشهداء في فتح الباري 7/375 والزرقاني 2/36 .
(8) سيرة ابن هشام 3/879 . وعيون الأثر 1/427 . وابن كثير 3/84 .
(9) ابن كثير 3/84 .
(10) سيرة ابن هشام 3/879 . والطبري 2/532 .
(11) المستدرك للحاكم 3/200 وصححه .