وما بها أحد أرق حلة ولا أحسن لمة منك )) [1] ، ولما أرادوا دفنه لم يجدوا عنده إلا نمرة إذا غطوا بها رأسه خرجت رجلاه ، وإذا غطوا بها رجليه خرج رأسه ؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: (( غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الإذخر ) ) [2] .
ولما فرغ - صلى الله عليه وسلم - من دفن الشهداء ركب فرسه متوجهًا إلى المدينة ، والمسلمون حوله ، فلما كانوا بأصل أحد قال: اصطفوا حتى أثني على ربي عز وجل ، فاصطف الرجال خلفه ثم النساء ، ثم قال: (( اللهم لك الحمد كله اللهم لا قابض لما بسطت ، ولا باسط لما قبضت ، ولا هادي لمن أضللت ولا مضل لمن هديت ، ولا معطي لما منعت ، ولا مانع لما أعطيت ، ولا مقرب لما باعدت ، ولا مباعد لما قربت ، اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك ، اللهم إنا نسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول ، اللهم إنا نسألك النعيم يوم القيامة ، والأمن يوم الخوف ، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا ، وشر ما منعت ، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا ، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين ، اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين ، اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك واجعل عليهم رجزك وعذابك ، اللهم قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق ) ) [3] .
ولما وصل - صلى الله عليه وسلم - مشارف المدينة لقيته حمنة بنت جحش رضي الله عنها ، فنعى لها النبي - صلى الله عليه وسلم - أخاها عبد الله فاسترجعت واستغفرت له ، ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب ، فاسترجعت واستغفرت له ، ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير ، فصاحت وولولت ، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (( إن زوج المرأة منها لبمكان ) ) [4] ، ومر بامرأة من بني دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها فلما نُعُوا لها قالت: فما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قالوا: خيرًا يا أم فلان ، هو بحمد الله كما تحبين ، قالت: أرونيه أنظر إليه قال: فأشير لها إليه ، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل ( تريد صغيرة ) [5] ، وجاءت أم سعد بن معاذ تعدو نحو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على فرسه ، وسعد آخذ بلجامها ، فقال سعد: يا رسول الله أمي ، فقال - صلى الله عليه وسلم -: مرحبًا بها ووقف لها ، فدنت حتى تأملت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بابنها عمرو بن معاذ ، فقالت: أما إذ رأيتك سالمًا فقد اشتويتُ المصيبة - أي استقللتها - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا أم سعد أبشري وبشري أهلهم: إن قتلاهم ترافقوا في الجنة جميعًا وقد شفعوا في أهلهم جميعًا ، قالت: رضينا يا رسول الله ، ومن يبكي عليهم بعد هذا ؟! ثم قالت: يا رسول الله ادع لمن خُلّفوا ؛ فقال: (( اللهم أذهب حزن قلوبهم ، واجبر مصيبتهم ، وأحسن الخلف على من خلفوا ) ) [6] .
ثم تابع النبي - صلى الله عليه وسلم - سيره نحو بيته وفي الطريق سمع نساء الأنصار يبكين على شهدائهن ، فذرفت عيناه ، وقال: (( لكن حمزة لا بواكي له ) ) [7] ، ثم دخل بيته متكئًا على سعد بن معاذ وسعد بن عبادة [8] ، ثم ناول سيفه ابنته فاطمة وقال: اغسلي عن هذا دمه فوالله لقد صدقني اليوم ، وناولها علي سيفه فقال: وهذا فاغسلي عنه دمه ، فوالله لقد صدقني اليوم ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( لئن كنت صدقت القتال لقد صدق معك سهل بن حنيف وأبو دجانة ) ) [9] .
ولما أذن بلال المغرب خرج رسول الله متوكئًا على السعدين فصلى بهم ، ثم عاد إلى بيته [10] ، ثم جاءت نساء الأنصار يبكين حمزة - رضي الله عنه - [11] ، ولما أذن بلال العشاء لم يخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى غاب ثلث الليل ، فناداه بلال: الصلاة
(1) طبقات ابن سعد 3/122 .
(2) البخاري ، كتاب المغازي ، باب غزوة أحد 5/121 .
(3) مسند الإمام أحمد 3/424 . والحاكم 1/506 . وسبل الهدى والرشاد 4/227 . وسيرة ابن كثير 3/77 .
(4) سيرة ابن هشام 3/880 . والطبري 2/533 . وابن كثير 3/93 . والخبر في المستدرك 4/62 ، وفي سنن ابن ماجه 1/507 كتاب الجنائز - باب ما جاء في البكاء على الميت .
(5) سيرة ابن هشام 3/881 . والطبري 2/533 .
(6) سبل الهدى والرشاد 4/229 .
(7) سيرة ابن هشام 3/880 . وتاريخ الطبري 2/532 . وسبل الهدى والرشاد 4/228 . وأصله عند أحمد 2/84 ، وعند الحاكم 1/381 ، وقال صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه .
(8) ابن كثير3/95 . وسبل الهدى والرشاد 4/229 .
(9) سيرة ابن هشام 3/881 . وتاريخ الطبري 2/533 . وعيون الأثر 1/431 . وأخرجه الحاكم في المستدرك 3/24 بنحوه .
(10) سبل الهدى والرشاد 4/229 .
(11) سيرة ابن هشام 3/880 . ابن كثير 3/95 . سبل الهدى والرشاد 4/229 . وهو عند أحمد 2/84 .