خوفًا منه فإنما هو قضاء مبرم بإذنه تعالى ، ولن يقدمه الثبات ، ولن يؤخره الهزيمة والفرار .
ثم ضرب لهم المثل بصبر الأنبياء السابقين وأتباعهم في ساحات الجهاد سائلين الله المغفرة والثبات { فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة } .
ثم حذر الله سبحانه عباده المؤمنين من طاعة الكافرين والمنافقين ، لأن طاعتهم تورث الخسران ، مشيرًا بذلك إلى تثبيط المنافقين والمشركين لبعض المؤمنين عن الخروج إلى الغزوة ، وأمرهم بطاعته وموالاته والتوكل عليه ، وبشرهم بأنه سيلقي في قلوب أعدائهم الخوف منهم والذلة لهم بسبب كفرهم وشركهم مع ما ادخره لهم في الآخرة من العذاب والنكال فقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين بل الله مولاكم وهو خير الناصرين سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به عليهم سلطانًا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين } .
ثم ذكّرهم سبحانه بالنصر الذي حققه لهم في أول المعركة حسب وعده لهم ، ولو استمروا على الطاعة لاستمرت نصرتهم ، ولكنهم فارقوا مركزهم ، وضعفوا أمام إغراء الغنيمة ، ففارقتهم النصرة عقوبة وابتلاء ، فأخذوا في الهروب صاعدين في الجبل لا يلوون على شيء والرسول يدعوهم في أُخراهم: (( إليّ إليّ يا عباد الله أنا رسول الله ) )فأثابهم غمًا بغم لكيلا يحزنوا على ما فاتهم ولا ما أصابهم ، ثم تداركهم برحمته فعفا عنهم ، وأنزل عليهم نعاسًا خفف به عنهم من ذلك الغم فأحسوا بالأمن والاطمئنان ، إلا نفر قليل أهمتهم أنفسهم وظنوا بالله ظن السوء وقالوا: { لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا } ، فرد عليهم سبحانه بأن الموت والحياة من قدر الله ، وما جرى فأمره الكوني ولا سبيل إلى دفعه ، ومع هذا فهو ابتلاء وامتحان لما في الصدور من الإيمان والنفاق ، وتمحيص لقلوب المؤمنين وتنقيتها وتهذيبها مما يخالطها من فساد الطباع وتزيين الشيطان واستيلاء الغفلة قال تعالى: ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم