ببطن السبخة [1] غربي جبل عينين [2] على شفير وادي قناة [3] ، وسرح خيله وإبله في زرع المسلمين [4] .
وباتت المدينة في حالة استنفار لا يفارق رجالها السلاح ، وسهر مجموعة من المسلمين يحرسون مداخلها ، كما سهر عدد من الأنصار فيهم سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة على باب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحرسونه [5] .
وفي صباح اليوم الرابع عشر من شهر شوال [6] - وكان يوم جمعة - دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجوه المهاجرين والأنصار واستشارهم في الأمر ، وأخبرهم عن رؤيا رآها ، فقال - صلى الله عليه وسلم -: (( إني قد رأيت والله خيرًا ؛ رأيت بقرًا تذبح ، و رأيت في ذباب سيفي ثلمًا ، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة ) )، وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون ، وتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته ، وتأول الدرع بالمدينة [7] ، ثم قال: (( إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة ونجعل النساء والذرية في الآطام ، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام ، وإن دخلوا علينا قاتلناهم في الأزقة ، فنحن أعلم بها منهم ، ورُموا من فوق الصياصي والآطام ) )؛ فوافقه على ذلك عدد من المهاجرين والأنصار ، كما وافق عليه رأس المنافقين عبد الله بن أُبَي بن سلول [8] . لكن جمعًا من الصحابة خاصة الذين فاتهم يوم بدر أشاروا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بالخروج ، وألحوا عليه في ذلك ، وقالوا: إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج إليهم جُبْنًا عن لقائهم فيكون هذا جرأة منهم علينا [9] ، وقال النعمان بن مالك: يا رسول الله لا تحرمنا الجنة ، فوالذي نفسي بيده لأدخلنها . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( بم ؟ ) )، قال: لأني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف ؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( صدقت ) ) [10] ، وألح حمزة بن عبد المطلب ومالك بن سنان وإياس بن عتيك وجماعة في طلب الخروج ، فوافقهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك [11] ، ثم حضرت صلاة الجمعة وقد اجتمع الناس لها من أنحاء المدينة فخطب فيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فوعظهم وأمرهم بالجد والاجتهاد [12] ، فخرجوا من الصلاة يتهيأون للقتال ، ونقلوا النساء والأطفال إلى الآطام ، ثم صلّى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بهم العصر ، ودخل بيته يتهيأ للقتال ، ومكث الناس ينتظرونه ، فقال سعد بن معاذ وأسيد بن حضير لمن دعا إلى الخروج: استكرهتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الخروج والأمر ينزل عليه من السماء ، فرُدُّوا الأمر إليه ، فندموا على ذلك ؛ وخرج عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد لبس درعين [13] ، وتقلد سيفه ، وألقى الترس على ظهره [14] ، فقال بعضهم: يا رسول الله ؛ ما كان لنا أن نخالفك ، فاصنع ما بدا لك . فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (( ألا لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين أعدائه ،
(1) السبخة: هي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر . وفي المدينة سباخ كثيرة ، جاءت فيها أحاديث صحيحة ، والسبخة التي نزل بها المشركون في هذه الغزوة تمتد من أمام جبل عينين مما يلي المدينة وغربيه إلى بئر رومة .
السمهودي 1/478 .
(2) جبل عينين: جبل صغير ، طوله 180مترًا ، وعرضه 50 مترًا تقريبًا ، يقع جنوب جبل أحد ، يحده من الشمال مقبرة الشهداء ، ومن الجنوب وادي قناة ، ويسمى أيضًا: جبل الرماة ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وضع الرماة عليه قبيل معركة أحد ليحموا ظهور المسلمين .
انظر: المغانم المطابة 3/966 ، وفاء الوفا 4/397 .
(3) وادي قناة: أحد الأودية الكبيرة ، يقدم من شرق المدينة ، ويمر جنوب جبل أحد ، ثم يميل إلى الشمال قليلًا حتى يلتقي مع وادي العقيق عند مجمع الأسيال ، وهو من الأودية التي تجري في مواسم الأمطار ، وتجف بقية أيام السنة .
انظر: المغانم المطابة 3/1051-1052 ، ووفاء الوفا 4/58-339 .
(4) سيرة ابن هشام 3/840 . والسيرة النبوية ، لابن حبان ، ص219 . وعيون الأثر 1/406 . وشرح الزرقاني على المواهب اللدنية 2/21 .
(5) المغازي للواقدي 1/208 . وطبقات ابن سعد2/37 .
(6) انظر تاريخ خليفة بن خياط 67 .
(7) المغازي للواقدي 1/209 . وسيرة ابن هشام 3/840 . وعيون الأثر 1/406 . وأصل الحديث في البخاري 3/1326 ، كتاب المناقب باب علامات النبوة في الإسلام ، وكتاب المغازي باب من قتل من المسلمين يوم أحد 4/1498 . والمستدرك ، للحاكم3/198 . ومسند الإمام أحمد 1/271 .
(8) انظر سيرة ابن هشام 3/840 . وطبقات ابن سعد 2/38 . وشرح الزرقاني على المواهب 2/22 .
(9) انظر: المصادر السابقة . وعيون الأثر 1/407 .
(10) انظر: تاريخ الطبري2/503 .
(11) انظر: المغازي للواقدي 1/211-212 . وشرح الزرقاني 2/22-23 .
(12) انظر: المغازي للواقدي 1/213 . وطبقات ابن سعد 2/38 .
(13) انظر السيرة النبوية لابن هشام 3/844 . ومسند أحمد 3/449 . وسنن أبي داود 3/71 .
(14) انظر طبقات ابن سعد2/38 .