الصفحة 14 من 224

التمهيد

المنهج أسسه وأبعاده

1 -مدخل:

يتشكّل أيّ بحث علمي من عنصرين أساسين هما: المنهج والظاهرة. المنهج بوصفه تقنية تُخترع لمعالجة ظاهرة ما، والظاهرة بوصفها الواقع المعطى ماديًا للحواس. ومع هذين المصطلحين تنشأ مشكلة الأسبقية بينهما ويتجه البحث مع ما يراه سوسير من أنّ (الشيء لا يسبق وجهة النظر، بل إنّ وجهة النظر، على ما يبدو، هي التي تخلق الشيء) [1] ، وهذا ما يذهب إليه الفيلسوف باشلار من (أنّ الواقع الذي يدرسه العلم المعاصر واقع يتصف بالاصطناع، و ... .علينا أن نترك التقاليد الفلسفية التي تجعلنا نعتقد بأنّ الموضوع العلمي هو الواقع المعطى،. ... فهناك وسيلة تُدعى بوسيلة البناء التي هي التقنية، بحيث يمكن تعريف الواقع بالنسبة للعمل العلمي في العلم المعاصر بأنّه الواقع الذي يعمل العالم على بنائه بفضل تدخل التقنيات) [2] . والواقع الذي يعيد العالم بناءه (ليس واقعًا آخر توجده التقنية، بقدر ما هو الواقع الطبيعي المعطى، الذي يتم بناؤه لكي يصبح واقعًا قابلًا لأن يكون موضوعًا للمعرفة العلمية) [3] .

وهذا ما يتبناه الباحث، ويعمد إلى تحديد المنهج الاشتقاقي المُتبنّى حتى تتحدّد على أساسه ظاهرة الجملة وتأخذ أبعادها الواضحة بوصفها ظاهرة. وإذا كان المنهج بوصفه فرضيات مجردة يخترعها العقل والظاهرة مادة معروضة للحواس، فإنّ المنهج لا يتجسد إلاّ في ظاهرة، والظاهرة لا تتضح بأبعادها إلاّ بمنهج، ليصبح البحث العلمي خليطًا متجانسًا منهما يجسّد أحدهما الآخر.

مهما يكن فأنّ البحث العلمي (المنهج و الظاهرة) لا يتّضح بل لا يقوم إلاّ على مصطلحاته، هذا المصطلح بوصفه علامة محددة بشكل دقيق متّفقًا عليها في مجال معين تبتعد قدر الإمكان عن العلامة اللغوية المتفق عليها أصلًا في مجموعة لغوية ما، بمعنى أنّ تأسيس مصطلح أو تحديده هو محاولة لنزع سلطة الجماعة اللغوية عن العلامة لصالح البحث العلمي، وتأسيس مدلولات جديدة تلائم المهمة التي يقوم بها، ليصبح المصطلح العلمي (مواضعة مضاعفة، إذ يتحول إلى اصطلاح في صلب اصطلاح، فهو إذا نظام إبلاغي مزروع في خبايا النظام التواصلي، هو(أي المصطلح) ، بصورة تعبيرية أُخرى، علامات مشتقة من جهاز علامي أوسع منه كمًّا، وأضيق منه دقةً) [4] [5] .

(1) علم اللغة العام: 27.

(2) فلسفة المعرفة عند غاتسون باشلار، محمد وقيدي: 171

(3) المصدر نفسه: 174، وينظر: اللغة ليست عقلًا، علي حرب، مجلة الباحث، السنة 1، العدد 53، 1992 ...: 146.

(5) مباحث تأسيسية في اللسانيات، عبد السلام المسدي: 54.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت