وحديثًا يذهب مصطفى جواد إلى أسبقية الفعل المتعدّي على الفعل اللازم، اعتمادًا على الكثرة والشيوع، فيقول: (إنّ الأصل في الأفعال التعدّي، لأنّ الحياة على اختلاف أنواعها وتباين طرائقها تعتمد على التعدّى، وعلى هذا تكون الأفعال التي يكثر فيها اللزوم مثل(فَرِحَ يَفْرَحُ) ، والتي يغلب عليها اللازم مثل (سَهُلَ يَسْهُلُ) ، حديثة الوجود بالنسبة إلى غيرها من ضروب الثلاثي المجرّد، ويكون الضرب الذي على هذين الوزنين من الأفعال اللازمة مثل (دخل وخرج ونام) من باب العلاج الذاتيّ محدودًا بحيث يكاد يكون محدودًا) [1] .
وبما أنّ مصطفى جواد يفترض أن المتعدّي أصل اللازم لأنّ الحياة تعتمد على التعدّي، فإنّه يفترض به أن يجعل الفعل المتعدّي إلى ثلاثة مفاعيل آصل من الفعل المتعدّي إلى مفعولين، وهذا الأخير آصل من الفعل المتعدّي إلى مفعول به واحد، لأنّ هذه الأفعال قادرة على تلبية متطلّبات الحياة أكثر من الفعل اللازم الذي يأتي أخيرًا.
وهذا ما لا يوافق عليه إبراهيم السامرائي، فيقول: (أقول: إنّ قلّة اللاّزم في العربية ومجيئه على أبنية محدودة ... لا تجعل من هذا الفعل عارضًا طارئًا، والذي أراه أن الفعل أصله قاصر لازم ثم يصار من هذه الحالة إلى المتعدي) [2] .
فعلى الرغم من أنّ الدكتور السامرائي يتحدث من وجهة نظرٍ تاريخية عن مسألة الشيوع، وعدم اعتباره دليلًا على الأسبقية. فإنّ الاتجاه الذهني يتفق معه في هذه النقطة، (إذ الشيوع لا قيمة له ... في تقدير صورة البنية الداخلية سواءً للكلمة أم للجملة، فالذي له قيمة حقيقية في هذا الأمر هو نوع القواعد التي نحتاج إليها لنقل البنية الداخلية إلى الصورة الملفوظة ومدى بساطتها أو تعقيدها ومدى معقوليتها) [3] .
إذن تتطابق وجهة النظر التاريخية والذهنية حول عدم اعتماد الكثرة والشيوع في تحديد الأسبقية في التعدي أو اللزوم، وفي غيرها من المسائل، ويسوق الدكتور السامرائي أدلته على أسبقية اللزوم على التعدي، وإن كانت أدلته ذات طابع تاريخي، لكنها صالحة أن يعتمد عليها من الناحية الذهنية وأدلّته هى:
1 -وجود مرحلة انتقالية وسطى بين الفعل اللازم الذي لا يتعدّى أبدًا مثل (نام) ، وبين الفعل المتعدّي مباشرة مثل (كتب) ، وهذه المرحلة هي الفعل اللازم المتعدّي بحرف جرّ مثل (مرّ، أسرف) ، وإسقاط هذا الحرف من هذه الأفعال الأخيرة، مثل (تمرّون الديار) [4] .
(1) المباحث اللغوية في العراق: 7، وينظر النصّ في: الفعل زمانه وأبنيته: 83.
(2) الفعل زمانه وأبنيته: 48.
(3) البنية الداخلية للجملة الفعلية العربية: داود عبدة، مجلة الأبحاث، السنة 3، ع 8: 1983:40.
(4) الفعل زمانه وأبنيته: 84.