الصفحة 9 من 224

ولا شكّ أنّ الاختلاف يحيل مباشرة إلى التشابه، ليشكلا ثنائية لا ينفصلان، فكلّ شيء عندما يختلف مع شيء آخر يحيل إلى تشابههما بالضرورة، أي وجود الاختلاف كما التشابه بين الآن والعصر الذي قيلت فيه هذه المقولة وما قبلها وربّما حتى ما بعدها، وهذا الاختلاف والتشابه لا يخرجان هنا عن أمرين اثنين: الجملة والاشتقاق، فالجملة باقية إلى الآن على ما هي عليه لم تتغير، لكن تتغير اللغة الواصفة (الميتا لغة) على مرّ العصور، ولا يمكن إيجاد لغة واصفة جديدة إلاّ بمنهج متطوّر قليلًا أو كثيرًا، واختلاف اللغة الواصفة ليس غريبًا عن النحو العربي إذ يتمثّل أمامنا ذلك الخلاف المشهور بين النحويين البصريين والكوفيين وتعدد آراء النحاة في المسألة الواحدة، ممّا يسير بنا إلى الأمر الثاني وهو الاشتقاق. الاشتقاق بوصفه منهجًا واضحًا كلّ الوضوح في الصرف على مستوى اللفظة، مستترًا تمام الاستتار في النحو إلاّ في التفصيلات فلا تنطق بنفسها إلاّ من خلال قضايا جزئية على مستوى الجملة، لنسحب بذلك طريقة الصرف إلى النحو. هذا عن التشابه، أمّا الاختلاف فيكمن في ترسيخ المنهج الصرفي وجعله على مستوى الوعي النحوي في رؤية طبقية للجمل بتبني منهج مشتق من نظريات عدّة في علم اللغة لا سيما التوليدية التحويلية وخارج علم اللغة كالمنطق الوضعي يتعامل مع مستوى الجملة مباشرة، لا في الجزئيات فحسب، بل مع الرؤية الفلسفية للعالم القائم على أساس اللغة كما يرى الفيلسوف الألماني هيدجر، تلك اللغة التي هي مجموعة متناهية أو لا متناهية من الجمل كما يرى جومسكي، لتتشكل الرؤية الفردية عن العالم المحيط، سلبيةً إذا كان استخدام اللغة خاطئًا وإيجابيةً إذا كان استخدام اللغة صحيحًا كما يرى فتجنشتاين.

يعني هذا النظر إلى الظاهرة من وجهة نظر مختلفة داخل وجهات نظر متعددة، كلّ منها تنظر من زاوية تختلف عن زوايا أخرى، ومن عادة هذه الرؤية من هذه الزاوية أن تتطابق في أشياء مع الرؤى الأخرى من الزاويا الأخرى، كما أنّها لا ترى أشياء رأتها وجهات النظر المختلفة، وأيضًا ترى أشياء لم ترها وجهات النظر الأخرى من الزوايا المختلفة، فقد جاءت اللسانيات الحديثة برؤى جديدة عن اللغة تقوم على أسس مختلفة حسب الأرضية التي ظهرت فيها والأديولوجيات التي يتبناها أصحابها أو العاملون فيها، ممّا شكّل ردّ فعل عند اللغويين العرب المحدثين في العقدين الماضيين فانكبّوا على دراسة النحو العربي مؤوّلين له موجدين التشابهات أو التطابقات النظرية بينه وبين هذه اللسانيات، بعد كلّ هذه الجهود وما أكثرها يتبادر سؤال ما في الذهن: ثُمّ ماذا؟، أي ماذا نفعل بهذه النتائج؟، أفلا ينبغي بها استئناف العمل النحوي من جديد برؤية قديمة حديثة تجعل من هذا الاختلاف الذي أصبح الآن تشابهًا ينطوي على مخاطر في القدر نفسه الذي يجعله ينطوي على مآمن. ويجعل المغترب مألوفًا بالقدر الذي يجعل المألوف مغتربًا.

لاشكّ أنّ هذا يجعلنا أكثر سعادة في رؤية أصالة القدماء وإخلاص المحدثين نسير بهذه الرؤية إلى التطبيق العملي في هذا العمل، وعمل مثل هذا يحتاج إلى سلسلة من الدراسات، إذ لا يمكن القيام بها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت