فهرس الكتاب
وعلى الرغم من أنه كانت, ولاتزال, للرحلة جوانبها الشائنة والمظلمة, مثل التجسس, والتمهيد للعدوان على الآخر الإنسان, والاستعمار, والاستيطان, والتخريب... وما إلى ذلك, فإن الرحلة قدمت خدمات جليلة للإنسانية جمعاء من حيث إنها كانت وسيلة للمعرفة, والكشوف الجغرافية وتمهيد الطرق لسفر الإنسان والتجارة. باختصار, كانت الرحلة هي العمل الرائد لحركة البشر والأفكار والبضائع من ناحية, كما كانت الرحلة مفيدة للإنسان على المستوى الفردي من ناحية أخرى.
لقد كانت الرحلة بمنزلة الأم لعلوم إنسانية واجتماعية عدة نشأت في رحم الرحلة, وترعرعت في حجرها, مثل الجغرافيا, والاثنوجرافيا والانثربولوجيا, وعلم السكان, والتاريخ الاجتماعي, والفولكلور... وغيرها, بيد أن أهم إسهامات الرحلة, في تصوّرنا, جاءت من خلال طرح معرفة الإنسان بالإنسان, وإشاعة إدراك وحدة الإنسانية, ماضيًا وحاضرًا ومصيرًا, إذ إن الرحلة تكشف عن حال يتعرف فيها الإنسان على (الآخر) , ومن ثم يصير أكثر استعدادًا للاعتراف بوجود هذا الآخر والتعاون معه. فقد كانت عين الرحالة (الغربية) دائمًَا بمنزلة آلة تصوير دقيقة تسجل ما حسبه الناس في البلاد التي يزورها الرحّالة غير جدير بالتسجيل والملاحظة بسبب ألفتهم واعتيادهم عليه, ويعني هذا في التحليل الأخير أن الرحلة قدمت لنا الكثير من المعلومات التي تعتبر مصدرًا أوليا, أو مادة خاما, للدراسات التي قامت عليها علوم التاريخ, والاثنوجرافيا, والسكان, والانثروبولوجيا, والفولكلور فضلًا عن فروع الدراسات الإنسانية والاجتماعية الأخرى.