فهرس الكتاب
كذلك كان طلب العلم من أهم بواعث الرحلة ولايزال. فقد ارتحل علماء الإغريق القدامى إلى مراكز العلم في مصر القديمة, وكان كتاب هيرودوت الشهير تجسيدًا للرحلة في طلب العلم والمعرفة, فقد سافر الرجل إلى مصر وغيرها من البلاد التي سمع بها, وجاء كتابه (التواريخ) ثمرة لهذه الرحلة, ومن ناحية أخرى, كانت الإسكندرية ومكتبتها القديمة ذائعة الصيت هدفًا ومقصدًا للرحلة والرحالة في هذا المجال, كما كانت أثينا في عصرها الذهبي, وبلاد فارس وبلاد الشام تجتذب الرحلة والرحالة من شتى أنحاء المعمورة في تلك العصور.
ولم تكن الحضارة العربية الإسلامية استثناء في ذلك, فقد كانت الرحلة من أهم فعاليات هذه الحضارة, وقد تنوعت دوافع الرحالة المسلمين ما بين الاقتصاد والدين والعلم والسياسة, بيد أن الرحلة في طلب العلم كانت من أهم ملامح الثقافة العربية الإسلامية, وقد أشار المؤرخ العربي الشهير (ابن خلدون) إلى هذه الحقيقة في مقدمته الشهيرة بقوله: (.... والرحلة لابد منها في طلب العلم, ولاكتساب الفوائد والكمال, بلقاء المشايخ ومباشرة الرجال, وتجسّد هذه الحقيقة رحلات عدة قام بها أعلام الثقاقة العربية الإسلامية منهم عبدالرحمن بن خلدون نفسه الذي رحل من بلده الأصلي إلى مصر لأسباب كثيرة منها طلب العلم, وقد سبقه كثيرون لا تكفي مثل هذه الدراسة لرصد أسمائهم ومؤلفاتهم فقط, فضلًا عن سيرتهم ونشاطهم.