فهرس الكتاب
وقد شهد عصر الغساني تبلور الصراع بين أوربا المسيحية في الشمال, والعرب المسلمين في الجنوب, ورغم مرور سنوات طويلة على سقوط الأندلس فلم يكن أحدهما قد نسي ثأره بعد, وزاد من حدة هذا الصراع أن الدولة العثمانية لم تكن قد أنهت حروبها في أوربا بعد, ففي الوقت الذي بدأ فيه الغساني رحلته, كانت القوات التركية تحاصر بلجراد من أجل استعادتها من جديد, وكان الأندلسيون الذين تم طردهم من إسبانيا قد استوطنوا في مدن المغرب مثل تونس وبجاية وتلمسان وفاس يثيرون المشاعر القوية بالارض الضائعة, وقد حولوا (فاس) إلى مدينة للعلم والحلم. فقد كان بينهم العلماء والكتبة والمفكرون الذين جددوا الثقافة المغربية التقليدية وأضافوا تقاليد جديدة لنظم الحكم فيها, ولكنهم ظلوا متمسكين بحلمهم في العودة إلى الأندلس, وظلت الاسر الكبيرة تحتفظ بمفاتيح بيوتها في المدن الضائعة ويورثونها لأبنائهم على أمل أن يجدوا هذه البيوت في انتظارهم يوما ما, ومن المثير للأسى أن هذا الأمر يتكرر مع بعض اللاجئين الفلسطينيين الذين مازالوا يحملون مفاتيح بيوت فلسطين ويوقنون أن معجزة ما سوف تحدث وتنقذهم من مخيماتهم البائسة, ولا ندري من سيحمل المفاتيح بعد ذلك?
وإزاء هذا التفتت والضعف الذي كانت تشهده المغرب, فقد كان الصراع بين الجنوب المسلم والشمال المسيحي يميل دائما لكفة الأخير خاصة بعد أن انتشرت السفن الغربية في البحار - وخاصة الإسبانية والبرتغالية ثم البريطانية - وتسيّدتها وأصبحت تهدد الشواطئ المعمورة وتحتل الثغور كلما عنّ لها ذلك.