فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 239

وبالرغم من هذا الهدف السامي لرحلة الغساني فإن الكثير من مقاطع كتابه توحي أنه هو أيضا كان أسيرا بشكل أو بآخر, أسيرا لسطوة السلطان المطلقة التي كانت تحتم عليه فعل المستحيل من اجل نيل رضاه حتى وهو بعيد في بلاد الإسبان, أسيرا لأسوار المخزن وشراسة الجند وخائفا لحد الرعب من سجون المولاي إسماعيل التي كانت تمتد مثل قبو بالغ الاتساع تحت ارض مدينة مكناس, وهو مازال باقيا حتى الآن وبالرغم من أنه تحول إلى مزار سياحي فهو لم يفقد شيئا من رهبته.

ولكن مما لاشك فيه أنها رحلة أخرى تضاف إلى رصيد المغرب الذي خرج منه أشهر الرحّالة العرب أمثال ابن بطوطة وابن جبير والتيجاني وغيرهم. ولعل ازدهار هذا النوع الأدبي في المغرب بالذات فرضه موقع هذا البلد في أقصى العالم العربي, الأمر الذي جعل من الوصول إلى المركز حيث يوجد بيت الله الحرام وقبر رسوله الشريف واحدا من الأهداف والأحلام التي تدفعهم للرحيل الدائم. ولكن رحلة الغساني كانت مختلفة في الغرض والاتجاه عن رحلات الحج السابقة, إنها رحلة سفارية كما يطلق عليها د.محمد الفاسي الباحث المغربي, فالغرض منها كان القيام بسفارة لدى دولة أجنبية. وكان يقوم بتدوينها السفير نفسه إذا كان من أهل العلم والأدب - مثل حالة سفيرنا الغساني - أو يترك هذا الأمر لواحد من أتباعه. ولعل أشهر رحلة في هذا الغرض نفسه هي رحلة ابن فضلان إلى بلاد الشمال والتي قام بها بناء على أمر من الخليفة العباسي المقتدر بالله وقد تحوّلت إلى فيلم سينمائي عالمي تحت عنوان (المحارب الثالث عشر) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت