فهرس الكتاب

الصفحة 181 من 239

ولكن التحوّل الفكري الذي أحسّ به الغساني بعد انتهاء الرحلة كان واضحًا وجليًا, فقد بدأ الرحلة وهو يعتقد أنه ذاهب إلى مخزن آخر مثل الذي خرج منه ولكنه اكتشف أنه أمام دولة جديدة الطراز لم يعاين مثلها. أسوارها حول حدودها الخارجية وليس داخلها. وتعيش مرحلة مهمة من تحولها تنمو فيها بذور مؤسسات المجتمع المدني الحديث مثل البريد والصحافة والمستشفيات المتخصصة.كما أن إحساسه كواحد من أحفاد أهل الأندلس الضائع قد تغير أيضا. فقد بدأرحلته إلى إسبانيا وهو يعتقد أنها إحدى ديار الإسلام الضائعة وسوف يعيدها الله - طال الزمن أو قصر - إلى الإسلام مرة أخرى. ولكنه فوجئ أنه أمام دولة مختلفة تماما. لم تعد تتطلع إلى الوراء تتدفق عليها أكداس من ذهب العالم الجديد. ويحكم ملوكها أجزاء كبيرة من المعمورة وتجوب سفنها بحار الدنيا السبع.

ولم ينس الغساني أن يستخدم ذكاءه وأن يقدم بطريقة غير مباشرة صورة للملوك الإسبان في حياتهم اليومية لعله بذلك يبعث برسالة إلى سلطانه المغربي الذي كان حاكمًا مطلقًا يصف فيها تفاصيل طقوس يوم القيامة وكيف يقوم الملك بدعوة ثلاثة عشر رجلا من الفقراء إلى قصره - وهو نفس عدد الحواريين الذين حضروا العشاء الأخير مع المسيح ـ ويقوم الملك بخدمتهم بنفسه ويقدم لهم الطعام ثم يقوم بغسل أقدامهم جميعًا وتنشيفها ثم يقبلها قدما...قدما. لقد صور الغساني صورة مدهشة لتواضع الملوك حتى ولو تم ذلك مرة واحدة في العام, هل كان من الممكن للسلطان المغربي أن يقوم بطقس قريب من هذا?

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت