فهرس الكتاب
لقد أحسن السلطان المغربي اختيار السفير الذي أرسله. فهو ليس مثقفا وأديبا وعالما بالتاريخ, وليس وزيرًا عارفًا بتفاصيل الصراعات الدولية والتناقضات بين الدول الأوربية فقط, ولكنه - على حد تعبير نوري الجراح - يبتعد عن كل تلفيق أو تحامل أو تزوير, ويتميز بأمانة كبيرة وروح متسامحة في فترة عصيبة من الصراع الإسلامي مع الغرب سادت خلالها أوربا روح التعصب الأعمى الذي لم يسلم من شروره حتى المسيحيون أنفسهم في محاكم التفتيش.
مخطوط الرحلة
يبدو كتاب رحلة الوزير في افتكاك الأسير أحيانا مثل تقرير مطول كتبه الوزير الغساني ليرفعه إلى أعتاب مولاي إسماعيل سلطان المغرب عن نتائج رحله لم تكن كبيرة النتائج. وقد اعتمدت هذه الدراسة على الطبعة التي أصدرتها دار السويدي في إطار مشروع ارتياد الآفاق وقام بتحريرها وكتابة مقدمة جيدة لها الشاعر نوري الجراح. وقد اعتمد هو بدوره على نسخة أقدم عمرًا حققها الفرد بن جرجس بن شبلي البستاني ونشرها في تطوان بالمغرب عام 1939مستندًا إلى ثلاث مخطوطات ناقصة, والبستاني مستغرب لبناني كان يجيد الإسبانية وقد عمل متعاونا مع قوات الجنرال فرانكو التي كانت تحتل المغرب.
لم ينشر البستاني نص الرحلة كاملا فقد حذف منه فصلا كاملا أعتقد فيه أن الغساني قد انتقد فيه العقائد المسيحية.
ولكن هذه الرحلة لم تكن مجهولة قبل ذلك التاريخ.فقد خلط الكثير من المؤرخين بينها وبين رحلة قام بها مؤرخ آخر هو أحمد بن المهد الغزال ومن الواضح أنها كانت رحلة سفارية أخرى, ولكن الذي أعطى هذا المخطوط حقه بقدر هو المستشرق المعروف أغناطيوس كراتشكوفسكي الذي تحدث عنها بالتفصيل في كتابه تاريخ الأدب الجغرافي العربي, وهو يصف الغساني قائلا (من اتجاهه العام يبدو كعالم إثنوجرافي واجتماعي أكثر منه مؤرخا, فهو يهتم قبل كل شيء بوصف الأخلاق والعادات والنظم, وفي هذا المجال قد تفوق معطياته أحيانا الأوصاف الأوربية المعاصرة له) .