فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 239

اكمل الغساني رحلته برا متوجها إلى الشمال, إلى مدريد. وأتاح له هذا أن يشاهد عشرات البلاد والقرى وأن يراقب طقوس الزرع والاستسقاء وأن يستمع إلى الأغاني ويشاهد الرقصات وأن يقابل بقايا الأندلسيين واليهود وهم يحاولون عبثا إخفاء جذورهم القديمة وإظهار الاخلاص لحياتهم ودينهم الجديدين. كما اجتاز العديد من غابات من الزيتون, وهي في اعتقادي واحدة من أعظم الآثار التي تركها المسلمون في الأندلس, لقد أحضروا غرس هذه الشجرة المباركة من وديان الشام, كما أحضروا فسائل النخل من صحراء العرب, وابتكروا السواقي التي ترفع المياه من قيعان الوديان إلى أعلى التلال وحولوا الهضاب القاحلة إلى غابات من الزيتون مازالت مزدهرة حتى الآن.

وفي قرطبة يقابل الغساني أسيرًا من نوع آخر, إنه يقف مشدوها أمام مسجدها الكبير الذي تشوهت عمارته وتحول قسرا إلى كنيسة. وهي رؤية تثير الأسى في نفسه وتجعله يستحضر تاريخ هذا المسجد الكبير الذي كان مجرد حلم في صدر عبدالرحمن الداخل وهو يسعى هاربا من مطاردة بني العباس ناذرا لله إن مكنه في الأرض أن يبني له أكبر مسجد يمكن ان تشهده عين بشر, يستمع الغساني إلى كل الأصداء القديمة وهي تتردد في جنبات المسجد, مزيج الأدعية والابتهالات واستغاثات ما قبل السقوط., يراقب الصلبان التي تعلو, والأبهاء وهي تأفل والأجراس وهي تدوي من أعلى المنارة بدلا من صوت الأذان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت