فهرس الكتاب
وفي بلدة (الكاربي) يقابل الغساني وجها آخر حزينا من بقايا الأندلسيين. إنهم أحفاد بنو سراج الذين اختلفوا مع آخر ملوك غرناطة ابي محمد الصغير فخرجوا عليه وأعلنوا تنصرهم وانضموا للفرنجة وساهموا في حصار المدينة حتى سقطت, والمدهش أن أحفادهم ظلوا يلعبون على هذا الحبل الرفيع. فلم يصبحوا مسيحيين مخلصين وظلت مواطنتهم الإسبانية ناقصة, لقد توارثوا إرث الخيانة وذنبها جيلا بعد آخر. وهو يتأكد من ذلك عندما يزور مدينة مسلمة أخرى, أو بالأحرى تأخر تنصرها واسمها (مورا) وقد وجد أهلها يزرعون العنب بكثرة ولا يكفون عن عصره وتخميره وشربه كأنهم يدفنون في الخمر كل الذكريات التي لا يستطيعون مواجهتها.
بهذه الوتيرة تسير رحلة الغساني, متأملا في أحوال الناس والمكان الطبيعة, باكيا على آثار الأندلسيين مندهشا من العادات والسلوكيات التي لم يعاينها من قبل, حتى يصل أخيرا إلى مدريد.
كانت مقابلة الغساني مع الملك الإسباني ـ والذي أصر على أن يطلق عليه لقب الطاغية وأن يدعو بهلاكه هو وأمثاله من على وجه الأرض قصيرة وموجزة, اقتصرت على تسلم خطاب السلطان المغربي وتبادل معه بعض كلمات المودة, ثم تركه لينعم بالضيافة والتأمل ريثما يأتيه الرد على الخطاب الذي حمله..
وكانت هذه فرصةالغساني الكبرى ليتابع مظاهر الحياة في إسبانيا الجديدة. ولعل أولها هي مظاهر الثراء التي ظهرت من جراء اكتشاف أمريكا أو الأرض الجديدة, وظهور الأشكال الأولى من تنظيمات الدولة الأوربية الحديثة مثل البريد والصحافة والخدمات الصحية المختلفة. كما راقب الرياضات التي يقوم بها الإسبان مثل التزلج على الجليد في الشتاء ومصارعة الثيران في الأعياد. وكانت المصارعة في ذلك الوقت لا يقوم بها مصارعون محترفون وإنما يقوم بالتصدي للثيران كل من يجد في نفسه الشجاعة.