فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 239

وأتصور أن هذا المنحى من التفكير العقلاني الذي انتهى إلى الإيمان بالمجتمع المدني الحيدث, القائم على الفصل بين السلطات, هو الذي أدى برفاعة الطهطاوي إلى رؤية الأبعاد المدنية للمعرفة, ومن ثم التمييز للمرة الأولى - فيما أحسب - بين المعنى المدني للعلم والمعنى الديني, ومن ثم توسيع دائرة العلم لتجاوز مدارات العلوم التقليدية للمشايخ, وتوسيع معنى (العالِم) ليجاوز صفات الشيخ التقليدي, خصوصا في مجالات علوم المعرفة التي تتمايز عن علوم الدين بطبيعتها وأطرها المرجعية المدنية التي تعتمد على العقل والتجريب أو الاستنباط والمشاهدة.

ولا ينفصل عن ذلك الربط الجديد بين معنى العالم أو العلم ومعنى الإضافة في دائرة العلم المدني, فلا عالم إلا إذا أضاف إلى ما سبقه, واكتشف ما لم يكتشفه غيره. ولذلك يقول رفاعة:

(وأما علماؤهم فإنهم منزع آخر لتعلمهم تعلما تاما عدة أمور, واعتنائهم زيادة على ذلك بفرع مخصوص, وكشفهم كثيرا من الأشياء, وتجديدهم فوائد غير مسبوقين بها, فإن هذه عندهم هي أوصاف العالم, وليس عندهم كل مدرّس عالما, ولا كل مؤلف علاّمة, بل لابد من كونه بتلك الأوصاف, ولابد له من درجات معلومة, فلا يطلق عليه ذلك الاسم إلا بعد استيفائها والارتقاء, ولا تتوهم أن علماء الفرنسيين هم القسوس, لأن القسوس إنما هم علماء الدين فقط, وقد يوجد من القسوس من هو عالم أيضا, وأما من يطلق عليه اسم العالم فهو من له معرفة في العلوم العقلية, التي من جملتها علم الأحكام والسياسات) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت