فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 239

ويلاحظ رفاعة قلة علماء الدين في فرنسا بالقياس إلى غيرهم من أصحاب العلم المدني, فإذا قيل هذا الإنسان عالم لا يفهم منه أنه عالم في دينه, بل إنه يعرف علما من العلوم الأخرى المدنية, الأمر الذي يفضي برفاعة إلى إدراك (خلو بلادنا) من كثير من هذه العلوم المدنية بوجه عام, والعقلية بوجه خاص. ودليله على ذلك أن الجامع الأزهر المعمور بمصر القاهرة, وجامع بني أمية بالشام, وجامع الزيتونة بتونس, وجامع القرويين بفاس, ومدارس بخارى ونحو ذلك, كلها زاهرة بالعلوم النقلية, وبعض العلوم العقلية كعلوم العربية, والمنطق, ونحو ذلك من العلوم الآلية). وفي مقابل هذه العلوم التي يغلب عليها النقل لا العقل, والتقليد لا الابتكار, يتحدد معنى العلم الفرنسي بالإضافة التي تجعل العلوم في مدينة باريس تتقدم كل يوم فهي (دائما في الزيادة) و (لا تمضي سنة إلا ويكشفون شيئا جديدا... عدة فنون جديدة أو صناعات جديدة, أو وسائط, أو تكميلات) .

ولكن هذ النظرة المدنية لا تمضي إلى نهايتها المنطقية, فهناك السقف الذي لا يمكن لوعي رفاعة أن يجاوزه, عابرا الخطوط الحمراء للشريعة المحمدية, خصوصا في مجال الفلسفة الأولى على وجه التحديد. ولذلك ينتهي به الأمر إلى ملاحظة أن بعض الاعتقادات الفلسفية في فرنسا تخرج عن قانون العقل بالنسبة لغيرهم من الأمم, غير أنهم يموّهونها ويقوونها حتى يظهر للإنسان صدقها وصحتها. والنتيجة هي ما يقوله رفاعة من أن (للفرنسيس في العلوم الحكمية حشوات ضلالية مخالفة لسائر الكتب السماوية, ويقيمون على ذلك أدلة يعسر على الإنسان ردّها) . والمؤكد (أن كتب الفلسفة بأسرها محشوة بكثير من هذه البدع... فحينئذ يجب على من أراد الخوض في لغة الفرنساوية المشتملة على شيء من الفلسفة أن يتمكن من الكتاب والسنة, حتى لا يغترّ بذلك, ولا يفتر عن اعتقاده, وإلا ضاع يقينه. وقد قلت في مدح هذه المدينة وذمها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت