فهرس الكتاب
أيوجد مثل باريس ديار ... شموس العلم فيها لا تغيب
وليل الكفر ليس له صباح ... أما هذا وحقكم عجيب
ولا شك أن هذه النتيجة التي انتهى إليها رفاعة الطهطاوي هي التي غدت أساسا للذين ذهبوا بعده إلى باريس, خصوصا من مستنيري الإسلام الذين كان منهم بالقطع خير الدين التونسي الذي أكد في كتابه أن (الغرض من ذكر الوسائل التي أوصلت الممالك الأوربية إلى ما هي عليه من المنعة والسلطة الدنيوية أن نتخير منها ما يكون بحالنا لائقا ولنصوص شريعتنا مساعدا وموافقا) .
ثالثا: ويتصل بالملاحظة السابقة ما يقترن بها من أن العقل المبرمج سلفا, نتيجة ميراثه وأنماط تعليمه, لم يكن يقبل من الحضارة الأوربية إلا ما كان أقرب إليه, كأنه لا يأخذ إلا ما يعطيه, ولا يدرك إلا ما هو مسموح له بإدراكه, في حدود برمجته الثقافية. ولذلك لا نجد معرفة بالأشياء الجذرية الجديدة في الثقافة أو الأدب أو الفكر أو بالأفكار الطليعية, وإنما معرفة بالذي رسخ واستقر في هذه الحضارة, وأصبح مقبولا من جميع أبنائها.