فهرس الكتاب

الصفحة 53 من 239

ثالثا: ويقترن بما سبق ما يتصل به من ملاحظة أن التركيبة العقلية التي انطوى عليها أمثال رفاعة الطهطاوي, من المرتحلين إلى الحضارة الأوربية, لم تكن تصنع لهم سقفا للقبول والرفض فحسب, وإنما كانت تحدد لهم المنظور الذي ينظرون منه, وحدوده القصوى في الاختيار والتعريف والنقل. ولذلك نلاحظ أنه على الرغم من إعجاب رفاعة الطهطاوي - مثلا - بما قرأ - من أدب عند الفرنسيين فإنه ظل على إيمانه بأن البلاغة للعرب والشعر للعرب.

ولذلك فإنه على الرغم من امتداحه اللسان الفرنسي, ووصفه له بأنه لا يميل إلى المحسنات, وينتهي إلى تأكيد (أن نظم الشعر غير خاص بلغة العرب, فإن كل لغة يمكن النظم فيها بمقتضى علم شعرها) , يتراجع عن ذلك كله عندما يؤكد اتساع اللغة العربية على غيرها, ويعلن إيمانه القديم بأن بلاغة العرب (أفضل) من كل بلاغة بالقياس إلى اللسان الفرنسي أو الإفرنجي, لأن ذلك (يشبه أن يكون من خواص اللغة العربية لضعفه في اللغات الأجنبية) . وقد اقترن ذلك عنده بإعلان (اتساع اللغة العربية) الذي يدل عليه وجود الكثير من كتب العلوم منظوما بها, (وأما لغة الفرنسيس فلا ينظم فيها كتب العلوم أصلا) أضف إلى ذلك ما أومأ به إلى تميز أعاريض الشعر العربي المتسعة, وتحويله المعاني التي نقلها عن شعر الفرنسيس إلى نظم عربي بدوي السمات, نظم يؤكد إيمانه بتميز الشعر العربي وفضله المطلق الذي دفعه إلى أن يستشهد بقول القائل:

إلى العربي مل في نظم شعر ... فذاك لسان أرباب الكمال

رابعا: لم تخل مواقف الرحلة إلى الآخر من توتر متوثب بين قطبي القبول والرفض, الإعجاب والنفور, وهو توتر خلق في بعض أشكال الكتابة عن الآخر في الارتحال إليه درجة عالية من الأضداد وأشكال التعارض الذي يمكن الكشف عنها في مواضع كثيرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت