فهرس الكتاب
وكانت البداية هي الصدمة التي حدثت لرفاعة الطهطاوي حين رأى الكيفية التي يعامل بها الرجال النساء, فانتهى إلى الظن بأن الرجال عندهم عبيد النساء وتحت أمرهن, وأن من خصالهم الرديئة عدم غيرة رجالهم. ولكنه يدرك - من ناحية مقابلة - أن للنساء تآليف عظيمة, ومنهن مترجمات للكتب, بل منهن من يتمثل بإنشائها ومراسلاتها, فيدرك أن المثل العربي القائل: جمال الرجل في عقله وجمال المرأة في لسانها لا ينطبق على تلك البلاد التي تهتم بعقل المرأة وفهمها وقريحتها. ويقوده ذلك إلى إدراك أن النساء الفرنسيات متولعات بحب المعارف والوقوف على أسرار الكائنات والبحث عنها (فهن كالرجال في جميع الأمور) . وتدفعه هذه النتيجة إلى تغيير رأيه الذي سبق عن عدم غيرة الرجال الفرنساوية, فيرى في الأمر نوعا من أدب خطاب الرجل للمرأة التي تساويه, وأنه (كلما حسن خطاب الرجل مع النساء, ومدحهن عد هذا من الأدب) . ويندفع - نتيجة ذلك - مع موجة الإعجاب بسفور المرأة الفرنسية, ويرى في الحجاب رأيا جريئا مؤداه (أن وقوع اللخبطة بالنسبة لعفة النساء لا يأتي من كشفهن أو سترهن. بل منشأ ذلك التربية الجيدة والخسيسة والتعود على محبة واحد دون غيره, وعدم التشريك في المحبة والالتئام بين الزوجين) . لكنه لا يستطيع أن يمضي إلى النهاية المنطقية لهذا النوع من التفكير, فيعود إلى حدود المباح من المدى الذي تسمح به ثقافته, فيقول عبارات لا تخلو من التعارض, على النحو التالي: (ولا يظن بهم أنهم لعدم غيرتهم على نسائهم لا عرض لهم في ذلك, حيث إن العرض يظهر في هذا المعنى أكثر من غيره, لأنهم وإن فقدوا الغيرة, لكنهم إن علموا عليهن شيئا كانوا شر الناس عليهن, وعلى أنفسهم, وعلى من خانهم في نسائهم, غاية الأمر أنهم يخطئون في تسليم القيادة للنساء, وإن كانت المحصّنات لا يخشى عليهن شيء كما قال الشاعر:
إذا غاب عنها البعل لم تفش سره ... وترضى إياب البعل حين يئوب