فهرس الكتاب
وهي عبارات تنطق التذبذب اللافت على مستوى الوعي أو حتى اللاوعي النصي, فلابد من إبراز معنى (العرض) ومحاولة إزالة التناقض بين التمسك وبه وفقدان (الغيرة) , حتى لو لم تكن هناك علاقة بين الاثنين, في تفكيرنا المحدث على الأقل, فمن الواضح أن رفاعة خلط بين احترام المرأة الذي يترتب عليه استقلالها والثقة في سلوكها وبين تقبّل الرجال لضحكات أزواجهن أو حواراتهن مع غيرهم من الرجال, وليس في هذا الأمر فقدان غيرة وإنما احترام وإيمان بالمساواة التي تنبني على الثقة. أما مسألة (تسليم القيادة للنساء) فهي من بقايا الوعي التقليدي في مكونات رفاعة الثقافية, حيث تظل المرأة هي المخلوق الأدنى في سلم التراتب القمعي الذي يجعل الذكر أفضل من الأنثى على الإطلاق, ولا ينبغي للأفضل (الأعقل, الأحكم) أن يسلم القيادة للأدنى (الأقل عقلا, والأكثر انصياعا للغريزة) . ويمضي التمييز المبني على التراتب القمعي نفسه ليفصل بين المرأة الحرّة وغير الحرة, فالمحصّنات لا يخشى عليهن شيء لأن لهن من شرفهن وطيب محتدهن ما يحميهن من الزلل, وأما المرأة غير الحرة - من حيث هي الأدنى في المكانة الاجتماعية - فهي الأدنى في التمسك بالشرف لأنها لا تعرف طيب المحتد, ومن ثم تغدو فريسة سهلة للآثام التي تقترن بخضروات الدمن?!
جابر عصفور
الرحيل إلى أوربا.. النهضة العربية ومشروع الحداثة
إن الدارس لرحلات رواد النهضة العربية إلى أوربا في القرن التاسع عشر يلمس في يسر أنها تنقسم إلى صنفين:
رحلات وصفية تتحدث عن الحياة اليومية لسكان البلدان الأوربية يومئذ فتصف عاداتهم, ومظاهر العمران في مدنهم, وما لاحظوه فيها من نظام وازدهار, كما تتحدث عن شتى مظاهر الحياة الاجتماعية, ولكن دون أن تولي عناية للنظام السياسي, وللمؤسسات الدستورية, التي تقوم عليها الدولة, وعلاقة ذلك بما وقفوا عليه من تمدن.