فهرس الكتاب
ونعود لنؤكد أن هذه المقولات قد انعكست بدرجات متفاوتة في كتابات المفكرين العرب ابتداء من الطهطاوي إلى فرح أنطون, وأديب اسحق (1856-1885) , وسلامة موسى (1887-1958) وأحمد لطفي السيد (1871-1963) , وطه حسين (1889-1973) , فالحداثة التي تأثر بها التنويريون هي حداثة عصر الأنوار التي دشنت عصر حرية الإنسان, وحررت إرادته ليعي أنه صانع تاريخه, وبالتالي فهو مسئول عن اختياره, وهي التي أزالت طابع القداسة عن الحكم بعد أن افترى زبانيته على الشعوب قرونا طويلة, زاعمين أنهم يستمدونها من السماء عبر الكهنوت, فالسلطة شأن إنساني دنيوي لا علاقة له بالسماء, فالإنسان وحده, وعبر نضاله الطويل له الحق في اختيار أفضل أنماط الحكم لتسيير شئونه, وله وحده الحق في تغييرها, إذا لم تستجب لمصالحه, والحداثة المطلة من عباءة فلسفة الأنوار تعني العلاقة الوثيقة التي لا انفصال لها بين مفهومين: العقلانية والتحرر, فالعقلانية لا معنى لها دون أن تكون في خدمة التحرر, ويضحي التحرر, وما يقترن به من حريات, وحقوق, وديمقراطية دون عقلانية مستحيلا.
وهكذا أصبحت ممارسات الفكر العقلاني هي المحك, وحجر الزاوية, وبرزت وظيفته النبيلة في قيادة التقدم والتحرّر, فلا حداثة دون تحرير الإنسان من كل المسلمات والبديهيات, والميتافيزيقيات, والأساطير, وتحرير التاريخ من مقولة الحتميّة.
وقد حرصت على التذكير بأبرز مقولات حداثة عصر الأنوار, إذ إنها تمثل تحوّلا جذريا في وعي المثقف برسالته في المجتمع, وما يرتبط بها من حوار مع قوى المجتمع المدني من جهة, ومع السلطة من جهة أخرى.
حاول رواد الحركات الإصلاحية بأن يتخذوا حداثة عصر الأنوار نموذجا يحتذى سيسهم في الخروج من التخلف الذي يشكو منه المجتمع العربي الإسلامي, وسيسهم بصفة أخص في التحرر من نظم الحكم المطلق, وإرساء أسس الدولة المدنية يوما ما, وهكذا يطرح نفسه السؤال التالي: